...وجد الباب مفتوحا، تسلل إلى الداخل دون حسيس، وقف أمامها منتصبا. فزعت، هزت ثوب صدرها فنفثت ثلاث مرات. أحس أنها تقتلع عينيه بنظراتها، تراجع فأسند ظهره على الجدار، ود أن يستخرج ما في نفسه، لكن .. قبل أن تتحرك شفتاه قالت:
ـــ ما أنت إلا كشمعة أضاءت زمنا في حياتي فاحترقت، حياتك كلها ثقوب سوداء، تلسعني أنفاس رائحتك في البيت، في الشارع، في المقهى. عدت بعدما رفضك الزمن، عدت وملابسك المتفسخة تفر من جسمك. لست أنتَ ! من أنتَ ؟ ومن أنا الآن ؟
بكلمات الاعتذار جرح صمت الأشياء، من شقوق الذكريات حاول أن يرمي في وجهها ما جد في حياته من أسرار.
ـــ أتدرين؟ منذ مدة وذاتي تحدثني، تزيــن الجنون في عقلي. نظرات البشر تلاحقني، وأصوات مجهولة تنطلق في اتجاهي. الأصوات تتلمسني، تفتش قلبي، تسحبني من ملابسي، ألتفت ولا أرى أحدا. فأنا أخاف من نفسي على ذاتي.
ضحكت ضحكة اخترقت غضبه الهادئ، أحست أنها لا تكلم إنسانا سويا، خفق قلبها، ارتعدت أطرافها. استنفرت طاقتها الداخلية فعزمت على المواجهة. تراجعت إلى الوراء وعيناها لا تفارق وجهه ويديه. ابتسمت في دلال، وقالت :
ـــ كفى .. كلام في كلام، ما زالت جمرات دموعي مبعثرة على عتبة الباب وأنا أنتظرك.
خطا نحوها، صرخت في وجهه :
ـــ توقف يا شاغل النساء الأرامل، تخون الأموات وهم في قبورهم، وبدون حياء تضع خدك على وسائدهم ...
ـــ لا عليك، سوف تغسل الأيام القادمة ما تراكم لديك من أحزان، ونجمع ما شتت الفراق من عواطف. عدت لا كما كنت، عدت وأنا فارغ إلا منك، وقلبي لا يستطيب إلا رائحة أنفاسك.
مصت غضبها واندست في غرفة نومها ترتدي ملابسها وهي تقول:
ـــ خرجت إلى العمل منذ مدة، ولا أرضى لنفسي أن أتقوت بما فاض عن بطنك.
يبس الصمت على شفاهه. مرر نظره خلسة على جدران غرفة النوم، لم تعد صورته معلقة، لكن بصمة إطارها ما زالت مرسومة وسط الجدار. تحسس بأصابعه مفتاحا غلب عليه صدأ كثير، وضعه فوق الطاولة بحذر وهو يرن من شدة الألم.
تدلت برأسها من النافذة تنتظره أن يخرج من باب العمارة المتآكلة، من الأعلى طوحت بالمفتاح أمامه وقالت:
ـــ خذ مفتاحك فإنه لم يعد صالحا لــك.