البناء التصويري للقصيدة :
رغم أن القصيدة ذات بناء رمزي ، إلا أن صور المجاز والتشبيه لبنة من لبنات هذا البناء .
وإذا كانت الصورة التقليدية من تشبيهٍ واستعارة وكناية هي أداة من أدوات التخييل ، فإنها عند عمر أبي ريشة ليست هدفاً ؛ وإنما هي تظهر ضمن الصورة الكبرى التي يرسمها بريشته ويرمز بها إلى معنى أكبر ..
يقول عن شعر بودلير : " إنه أشبه بلولب صور في حانوت رسام ، كيف ما حركته وجدت صوراً جديدة ، تختلف كلّ صورة عن أختها ، وفي كلّ منها رمز ينقلك من أفقٍ إلى أفق ، فلا تشعر بملل ، ولا تحسّ بتعب " .
وكأنما أحسّ عمر أنّ هذا اللون من الشعر هو الذي يسير على هداه ، فهو الذي يزخر بصور تنقلك من عالم الواقع إلى عالم الرؤى الخاصة بالشاعر ، وهي صور مركّبة ومتعاقبة تذكر بالفن التصويري في شعر أبي تمام وابن الرومي .
فالصورة الشعرية هنا في هذه القصيدة ذات طبيعة إيحائية تكثر فيها ألفاظ محمّلة بالدلالات والمشاعر والرموز .
ولما كانت الكلمة قد تستقل برسم صورة شاخصة تارة بجرسها الذي تلقيه في الأذن ، وتارة بظلّها الذي تلقيه في الخيال ، وتارة بالجرس والظلّ([1])، فإنّ الشاعر عمر أبا ريشة يعتمد في صوره الشعرية على تحريك مجموعة من الأفعال والأسماء في دلالتها وعلاقتها مع بعضها للتعبير عن موقفه الانفعالي .
وتبدأ الصورة الأولى في القصيدة على هذا النحو :
أصبح السفحُ ملعباً للنسور
فاغضبي يا ذرى الجبال وثوري
إن للجرح صيحة فابعثيها
في سماع الدنى فحيح سعير
واطرحي الكبرياء شلواً مدمّى
تحت أقدام دهرك السكير !!
لملمي يا ذرى الجبال بقايا النسر
وارمي بها صدور العصور
فلو أعدنا النظر في الصورة السابقة لوجدنا أن الشاعر قد اعتمد في صورته على عددٍ من الأفعال في صيغ الأمر ، وهي النسبة المسيطرة ، وسيعطينا هذا - بلا شك - إحساساً أكبر بصرخة الشاعر وتمرّده على الذل ، ورفضه للهوان ، وهو يرى أن السفح أصبح ملعباً للنسور .
وهذا الإحساس هو الذي يشكل موقف الشاعر الذي هو محور القصيدة كلحظة انفعالية ثائرة .
ومن خلال الاعتماد على تحريك الجمل الفعلية يلمح عنصر الزمن كأهمّ ما في الموقف .
فتبدأ صورة ثانية بزمنٍ آخر ، هو الحاضر أو الحال ، وإن قابله أحياناً بصيغة الماضي ، لكن صيغته هي الغالبة :
إنه لم يعد يكحّل جفن النجم
تيهاً بريشه المنثور
هجر الوكر ذاهلاً وعلى عينيه
شيءٌ من الوداع الأخير
تاركاً خلفه مواكبَ سحب
فتهاوى من أفقها المسحورِ
كم أكبّت عليه وهي تُندّي
فوقه قبلةَ الضحى المخمورِ
ويقول :
وقف النسر جائعاً يتلوّى
فوق شلوٍ على الرمال نثيرِ
وعجاف البغاث تدفعه
بالمخلب الغض والجناح القصيرِ
ويقول :
أيها النسر هل أعود كما عدت
أم السفح قد أمات شعوري ؟!.
هذا التداخل والتقابل بين هذين الزمنين يعطي إيحاءً بأن الشاعر وكأنه
يتحسّر على الزمن الماضي لأمته بقوله : (لم يعد ..) ، وبقوله :
(هجر الوكر ذاهلاً وعلى عينيه .: شيءٌ من الوداع الأخير) ، وهو في نفس الوقت يستحضر أمامه صور الحاضر الراهنة البائسة التي تمثل ما وصلت إليه أمته من الهوان والذلّ والانكسار .
وكم نشعر بغصص يتجرّعها الشاعر غصّة تِلو أخرى ، وهو شعور صوّرته بعض الأفعال المضارعة ، مثل قوله : (تتهاوى ..) ، (يتلوى ..) .
ففي (تتهاوى) بما احتوته من ثقلٍ وتعثُّر تُصوِّر سقوطاً للكواكب من عليائها ، والشاعر ينظر إليها يائساً لا محالة ؛ إذ لا سبيل إلى إرجاعها ، وهي تسقط بثقلٍ واضطراب !!.
وفي (يتلوى) بهذا التضعيف تشخيصٌ لمعاناة آلامه وهي ترزح تحت الاستعار ، وهذه العزة فيها هي التي تأبى أن تقضي في مهاوي الحضيض .
ثم تبدأ صورة ثالثة امتداداً لهذه الصور المتتابعة من المعاناة والحسرة والضجر والثورة والانفعال :
فتبادت عصائب الطير ما بين
شرودٍ من الأذى ونفور
فسل الوهنُ مخلبيه وأدمت
منكبيه عواصفُ المقدورِ
وصورة رابعة :
فسرت فيه رعشة من جنون
الكبر واهتز هزّة المقرورِ
ومضى ساحباً على الأفق الأغبر
أنقاض هيكلٍ منخورِ ..
حيث تعكس يقظة النسر أو عزة الأمة بعد لأيٍ ولأواء ، وبعد انطراحٍ وانكسارٍ مرير ، لكنها يقظة انتهت - كما يقول الشاعر - إلى :
وهوى جثةٌ على الذروة الشماء
في حضن وكره المهجورِ !
.................................................. ....................يتبع
([1]) الظاهرة الجمالية في القرآن الكريم ، لنذير حمدان ، ص24 .