وفضلاً عما تصوره وتجسّده الأفعال بأزمنتها الثلاث ، إلا أن هناك ألفاظاً تدلّ على الصوت ، فتلعب دوراً هاماً في الكلمة الشعرية ؛ لأنّها فضلاً عما تمنحه القصيدة من تجسيد صوري ، ورنين إيقاعي ، فإنها تعكس عمق تجربة الشاعر الانفعالي بتكثيف شعوري ودلالي معاً ، وكأنّ هذه اللفظة قد انتقلت من مدلولها المادي إلى درجة عالية من الانفعالية ؛ إذ هي تستند على طاقة هائلة من الإيحاءات([1])، مثل قوله : فحيح ، صيحة ، اغضبي ، عواصف ، نفور ، سحيق ، زعقة ، جلجلت ، رعشة ...
وكأنّ هذه الألفاظ هي محاور الانفعال في القصيدة . وكما هو ظاهر ، فالقصيدة بنيت على لفظٍ محوري (نسر) ، لكنه لا يستدعي نظيره من الألفاظ ، بل ما يتصل به من المعاني والصور والأخيلة([2]).
وهذه الألفاظ تخدم تلك المعاني والصور والأخيلة ، وهي تصدح وتعطي بُعداً وغوراً أوسع إلى أعماق النفس ، فتستيقظ على صيحة الشاعر - الفذ - الصادقة .
وهي ألفاظ تشعّ منها قوى تومئ إلى النفس بالمعنى ومياً ، فتشعر به شعوراً عميقاً ، وتحسّ بجوّ الفكرة إحساساً عميقاً([3]).
ومن الصور الإيحائية :
كم أكبّت عليه وهي تُندّي
أيها النسر هل أعود كما عدت
فوقه قبلةَ الضحى المخمورِ
أم السفح قد أمات شعوري ؟!.
ففي كلّ من (كم الخبرية) والنداء بـ(أي) إيحاءٌ معيّن ، فالأولى تصف حجم تحسّر الشاعر وتألّمه ، والثانية توحي بانطفاء ألَمّ بالشاعر ، وهو يأمل في عودة النسر التي تمثل عودة الحياة بالنسبة له .
ومن الصور الحية المعبرة ذات الدلالة والمغزى غير تلك الصور التي رسمتها الألفاظ : صورٌ رسمها المجاز ، وإن كان الشاعر لا يرمي إليه ، لكننا نلمح له هنا خطوطاً من الاستعارات وألوانها وظلالها ، صوّر بها هذا الرمز تصويراً مثيراً أثر به في عواطفنا ومشاعرنا([4]).
فمن هذه الصور :
إن للجرح صيحة فابعثيها
.في سماع الدنى فحيح سعير
وهي صورة حية قويّة الإيحاء ، استطاع الشاعر أن يسكبها بانتقاء لفظتين ؛
هما : (صيحة) و (فحيح) ؛ إذ شخّص الجرح ، وأسمعنا صوت السعير المخيف كالفحيح .
فاغضبي يا ذرى الجبال وثوري
لملمي يا ذرى الجبال بقايا النسر
واطرحي الكبرياء شلواً مدمّى
فهذه صور ثلاث متتابعة شخّص الشاعرُ بها الجبالَ وكأنها كائن حيّ يعي ويسمع ويعقل ، فيخاطبها خطاب مَن يعقل أن تغضب ، وأن تثور .. بل إلى أن تتحرك ، فتلملم بقايا النسر ، وتطرح الكبرياء ، وفي داخل هذا التشخيص تشبيه بليغ للكبرياء ، كأنه جسدٌ تقذف به الجبال من علوّها ممزّقاً مدمّى .
ولقد أسهم التشخيص هنا في كشف ثورة الشاعر وغضبته :
تحت أقدام دهرك السكير !!
.وارمي بها صدور العصور
إنه لم يعد يكحّل جفن النجم
لقد استعار القدم للدهر ، والصدر للعصر ، والجفن للنجم ..
وهذه ثلاث استعارات ، كلٌّ منها ذات إيحاءٍ ودلالة معينة ..
.................................................. ..........................يُتبع
([1]) لغة الشعر العربي الحديث ، ص138 .
([2]) الاتجاه الوجداني ، ص359 .
([3]) الظاهرة الجمالية ، ص37 .
([4]) دراسات في الشعر العربي المعاصر ، ص234 .