عرض مشاركة واحدة
قديم 01-27-2010, 04:05 PM   رقم المشاركة : 7
شاعرة
 
الصورة الرمزية عطاف سالم





  النقاط : 10
  المستوى :
  الحالة :عطاف سالم غير متواجد حالياً
اخر مواضيعي
قـائـمـة الأوسـمـة
افتراضي رد: أبعاد الصورة الشعرية في قصيدة " النسر " لعمر أبي ريشة

فالأولى تومئ بقسوة الزمن الذي هو زمن تلك الجبال الشمّ ، وهي تطرح الكبرياء ، غير مبالية به أو واعية له .
والثانية تومئ بامتداد الزمن وهيبة التاريخ ، وهي في نفس الوقت تومئ بعدم مبالاة الشاعر بالزمن مهما عصف ، بل هي تعكس غضبته عليه ؛ إذ يمتدّ بينما أمته ما تزال تئن وتتوجّع .
والثالثة تومئ بما كان عليه النسر من الشموخ والكبرياء والسيطرة ؛ إذ ما أن يفرد جناحيه متباهياً إلا ويغطي النجوم بسواد ريشه المنثور .. لكنه لم يعد كذلك .


كم أكبّت عليه وهي تُندّي
فوقه قبلةَ الضحى المخمورِ
فسل الوهنُ مخلبيه وأدمت
منكبيه عواصفُ المقدورِ

وهذه ثلاث صور شعرية حيّة نابضة تشخِّص مواكب السحب والضحى وعواصف المقدور ..
فالأولى تومئ بمعانقة السحب لذلك النسر ، فلكم حلّق عالياً هناك قبل أن يصبح السفح ملعبه .
والثانية تومئ بالحاضر المضطرب الذي يعيشه .
والثالثة تومئ إلى الظروف التي هدّت قواه وأوهنت عزائمه ، وأصابته في مقتل سلبته أسباب الحرية والتحليق ، ومما هو تجسيد للمعاني وتشخيص للصور ، وإتقان للصنعة غير المجاز التشبيه ؛ إذ هو نقل للشعور بالأشكال والألوان من نفسٍ إلى نفس ، وبقوة الشعر وتيقظه وعمقه واتّساع مداه ونفاذه إلى صميم الأشياء ، يمتاز الشاعر على سواه([1]).
ولا شكّ أن الشاعر قد ملك القدرة على التصوير بجميع مفردات الصورة الشعرية ؛ من لفظة ، وخيالٍ ممثل في المجاز والتشبيه ، واستطاع أن يوظفها في إطار الصورة الكبرى التي هي رمز لمعنى كبير في نفسه .

أصبح السفحُ ملعباً للنسور
فاغضبي يا ذرى الجبال وثوري


فرغم أن الصورة عادية تبدو مألوفة ، لكن الخيال فيه يمتدّ ويتحرك ، وهو خيال موحي يبعث في النفس الإحساس الشاخص بتلك النسور الكثيرة التي تتخذ من السفح ملعباً لها ، وتتحرك فيه هنا وهناك ..

هجر الوكر ذاهلاً وعلى عينيه
شيءٌ من الوداع الأخير

لقد استطاع الشاعر هنا أن يشكل الصورة تشكيلاً فنياً مؤثراً معتمداً على التخيّل الذي كشف الحالة النفسية للنسر ، وكيف أنه قد هجر وكره مرغماً ، عليلاً ، ذاهلاً لا يعي ..
ومما أعطى الصورة حياةً : هذه الواو الحالية ، فكأنّ عينيه تحملان الأسى والانكسار ، وكأن الوداع قد أبقى فيها شيئاً من سماته الحزينة .

فسرت فيه رعشة من جنون
الكبر واهتز هزّة المقرورِ

صورة نستحضر بها النسر وهو يرتعش لما سرى فيه جنون الكبرياء ، واهتزّ منتفضاً رافضاً أن يموت على السفح وفجاف البغاث ، تدفعه بمخلب غضّ وجناح قصير اهتزازاً مؤثراً ، كصورة مَن يهتزّ من البرد الشديد وينتفض .
ولا شكّ أنّ هذه الرعشة وهذا الاهتزاز لم يكن مؤثراً هذا التأثير الذي نشعر به إلا بملكة من الشاعر استطاع بها أن يوظف اللفظة والتمثيل لتكتمل هذه الصورة الشعرية الموحية . وهي بعض من الصور الشعرية التي تَمّ اختيارها من هذه القصيدة الحافلة بها ..
وإذا ما كان الرمز عنصراً أصيلاً في بنائها الفني ، فلم يكن ليسهم وحده في تشكيل الصورة الشعرية الرائعة لهذه القصيدة دون أن ينسجم مع بقية العناصر المصوِّرة ؛ من لفظةٍ ، ومجاز ، وتشبيه ؛ إذ تظلّ هذه الأخيرة من خصائص أيّ صورة شعرية .
لكن مع هذا ، فمن المسلّم به أن القصيدة تحمل قيماً إيحائية ورمزية ترتبط بالانفعال الشعري ، وقد تحولت في ظلّ هذه التجربة - التي عاشها الشاعر - إلى صور نفسية تموج بالألوان والأضواء والأصوات والرموز المتداخلة([2]).
ويكفي القول : إن عنوانها هو رمز لهذا الرمز الأثير عند الشاعر ، الذي يجسِّم معاني القوّة والعزة .
والعنوان - كما يقال - هو المفتاح الأهمّ بين مفاتيح الخطاب الشعري ، وهو المحور الذي يحدد هوية النصّ ، وتدور حوله الدلالات ، وتتعالق به([3]).




([1]) لغة الشعر العربي الحديث ، ص106 .
([2]) المرجع السابق ، ص155 .
([3]) قراءات في الشعر العربي الحديث والمعاصر ، خليل الموسى ، ص28 .













التوقيع


ما أطيب الدّنيا إذا رفرفتَ ياشعرُ
تسري بكَ الأشياءُ من عيدٍ إلى عيدِ
الموتُ فيكَ فضيلةٌ تحيا إلى الأبدِ
والعشقُ فيكَ روايةٌ مبرودةُ الجيدِ !
/
عطاف سالم

رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ
  رد مع اقتباس