مواجِعُ النَخيل
قَدْ طالَ في الصَبرِ المَخاض
فهزَّ العراقُ إليهِ بجذعِ نَخلَةٍ
تصاعَدَ إليهِ جَذرا أبيا
كَشَفَتْ عَنْ ساقَيِها
لتُسيل بلُّجِها لُعابَ مَنْ سُعِر
نُقِشَت عَليها بأصابِعٍ مُمتَدةٍ بجذورِها
إلى سبعةِ آلافِ جُرح!
فكانَ على إحداها
خوذةٌ مِنْ ريش
تَحتَها جبهةُ التأريخِ المُضرّج
وعلى الأُخرى
نُقِشَ وشمُ "سميراميس" بطوقِ ياسمين
ثَكلى الجنوب
راحتْ تجوبُ إتجاهاتِ الوطنِ المُحتَضرة
كفرسِ نار
تَقضمُ اللِجام
وهيَ تَلوكُ خواصرَ الريح
ناقِشة ظهرَ التوجعِ بحوافرِ البَقاء
لتَدُلَها ظُلمَةُ الغدِ إلى سِنان الرَحيل
فتَقِفُ بذاكَ الشُموخ
على معابرِ الزَمنِ المُتجمِد
وهيَ تُنادي
"أينُكُم يا أسرابَ الأنين
أينُكُم
فماعادَ لتمريَ اِنبثاق
إنحَنى الظهر وما مِنْ إياب"
ولّى قلبُها وجهَه شَطرَ "الهور"
وهيَ ترفعُ كَفيِّها فوقَ بقايا القُبتين
و"الملويةُ" تُرددُ بخشوعٍ نَجواها
وحمائمُ المظلومِ تُؤدي التَراويح في سماءِ "الأعظمية"
ليَصِلَ سيلُ جمرِها إلى أرضِ الشَهيد
إهتزَ وهوَ يتلمسُ هالةَ نورِه
باحثاً عَنْ ذاكَ الرُمحِ الذي تُوِج برأسه
مُتَخِذاً مِنه مُتكئاً
وهوَ لا يَزالُ يرفعُ كفَ الدمِ إلى السماء
لأنهُ لَمْ يَنضَبْ مِنْ بَعده
فَجاشَ في صدرِ الوفاءِ زئير
حَملَ كفيِّه بأسنانِه
ووقفَ على أعتابِ الفُرات
مُستنفِراً عَزماً صريع
"يا أهلَ العراق
هَلْ مِنْ مُصافِح؟
هَلْ مِنْ مُصافِح؟"
كانَ صدى ألسنةِ الأكُفِ المقطوعة
يَرُدُ الجَواب
"ماتَ الصَفح في بِركِ الضَباب!"
جَثتْ النَخلةُ على أنقاضِ الحرف
بَعدَ أنْ أغلقتْ السِّباكَ كُلَ المنافذ
لتُشيحَ بنظرِها صوبَ المَدى
"أينُكُم يا رُفاتَ العراق؟
ضفائِري تنتظرُ الحِنّاء مِنْ ممالحِ "الفاو"
وجِيدي مُتَعَطِشٌ لإغتسالٍ بدموعِ "دهوك"
ولازلتُ أتَستَرُ بسوادِ الإنتظار
وما مِنْ سُهيل يَطرقُ علي نوافذَ أملي
والقُطعان لازالَتْ تُمشِطُ بأنيابِها شَعرَ العَروس
لتَنسُجَ بمخالِبِها ثوباً يَشُفُ عَنْ مَفاتِنها!"
تَذكَرَتْ لَحظَتها فتى الفيحاء
ذاكَ الغَريبِ النَحيل
جاءَ كزاجلٍ على ظَهرِ سِفرهِ العَتيق
وحطَ برحالِ أيُوبِه عِندَ ملاذِ "المتنبي" الكاذب
فَنفضَ أتربةَ النِسيانِ مِنْ على وجهِ بيداءِه!
"إيه يا أبا الطَيب
ها هوَ ذا قِرطاسُكَ
راياتُ إستسلامٍ على رأسِ سيفِكَ العتيق
ونيرانُ الأخدودِ لازالَتْ تسيرُ بإثرِه!
قُمْ معي
لنَحُجَ عِندَ تَلةِ "النعمان"!
بَعد أنْ كَتَبَنا اللوحُ المفَضوح!
بأنَّ للغُربةِ تقاسيمٌ تَطفو فوقَ كواهلِنا
لنَزفُرَ الأوطانَ دُخانَ سيجار
على طاولةِ التَوجُع وتحتَ سقفِ الحِرمان
ونحنُ ننعمُ بفيءِ مظلومياتِنا
قُمْ! فما عادَ للصبرِ بقية في دورقِ مَقابري
فالكُؤوس لازالَتْ تطفحُ بالرَذاذ
ولتَرقُصَنا أفيالُ "كِسرى"
ظِلالاً على خشبةِ الإنكسار !"
أخرَجَتْ الثَكلى صرخةً إختَرقَتْ كَنَبلٍ قلبَ الأُفق
بَعدَ أنْ رَأَتْ الديكَ
قَدْ صارَ سَيّافاً
وهوَ يقطعُ وَريدَ الحَكايا
على شفاهِ "شهرزاد"
و"شهريار" يغطُ بغفوةٍ مِنْ صَمتْ !
فنادَتْ
"سآتيكِ يا بغداد
سأنتَزِعُ أقراطي
وأبحثُ برداءِ القهر
عمَّن حرَّقكِ
لأزرعَ في بطونِ الأفاعي
تمرةٌ ناسفة !!!"
سرى القريشي