بوح عميق وصور بكر
نصك تغمره الدهشة والعتب تتوه حروفك في زحمة المدنية وأساليب العيش المريرة باللغة باذخة منمقة
نص يترك في القلب بصمته الخاص
لكم باقات من الخزامي
التوقيع
فاخفض جناحك للأنام تفز بهم ان التواضع شيمة الحكماء
أنا لست معنيا بأحد...
مازالت الأضاليا في البيت القديم تونع ريانة بمعانيها العبيرية الأنيقة...
رغم الهموم التي تحملها باتساع وطن أجدبت أرضه
وحيل هواؤه ضغائن وتارات...!
ربما قرأنا تاريخنا في القادم من الأيام مدوناً على كؤوس الزهر فقط!
وفي هذا كفاية...
سلمت أناملكم أيها النبيل ولا عدمتم الروعة والألق
محبتي والود
لك بوحك الخاص ذوقك لغتك اسلوبك تراكيب المفردات في شغل واضح بعناية واضحة واتقان لفن التصوير
والمجازات رائعة ومعانيك عميق تعانق الواقع وتبحث عن وجود تمثّل في خاتمة النص
لك شكري وتقديري
الشعر والتأويل والمعنى (محاولات ودية في ظواهر نص الأضاليا)
هذا نص مهم جدا فهو من النصوص التي تؤسس المسافات الحقيقية بين الشيء في نفسه وبين الشيء في ممكناته الشعرية وحيث تكون اللغة هنا الوسيط الأشد خطرا في التلاعب بمقاسات المعاني والتسلل الى شعورنا لترويضه نحو هذه المقاسات. ان هذه المقاسات هي مقاسات متغيرة وهي ما يطلق عليه بالنص الادبي كونها تولد قراءات لا تتطابق مع الواقعة التي يتحدث عنها النص لأنه ليس نصا مرجعيا يمكننا ان نصححه وفق الواقعة (الشيء في ذاته) يقول كارلهاينتس شتيرل (بينما يسمح كل نص مرجعي بالتصحيح استنادا الى الواقع فان النص الادبي يترك بينه وبين الشيء الذي يعطى – فاصلا- وهذا الفاصل غير قابل للتصحيح بل هو قابل للتأويل أو النقد فقط.
ان ما نعنيه بعدم قابليته للتصحيح هو (شعريته) لان الشعرية كما افهمه هي التوقعات والمتجهات الغير محسومة
وبتوضيح اخر يقول بوري لوتمان (ان النص الفني يقدم معلومات مختلفة لقراء مختلفين كل حسب فهمه كما انه أيضا يقدم للقارئ لغة يستوعب من خلالها الجزء الموالي من المعلومات خلال القراءة الثانية) وبالتالي فطبيعة النص الادبي نفسها تستدعي فعلا تأويليا وابداعيا من جانب القارئ مما يطرح في آن واحد مشكل الذاتية والموضوعية حيث تعني الموضوعية هنا البحث في قصد المؤلف أو تمثلات قصده في التجارب التي تشابه تجربة النص وظروف انتاجه بينما الذاتية تعني قدرات القارئ باعتباره المسؤول عن إيجاد المعنى وانه القطب الجمالي الذي يسمح للنص بان يتعدد في مشارب الدلالة
لو تقدمنا خطوة فان ثمة اتجاها يخالف هذه الصياغة من التفكير حيث يرى بان النص وحده ووحده فقط هو المعني بمسألة المعنى وتفسير ذلك بان الاعتماد على استراتيجية المؤلف او قصده او دور القارئ هو اعتماد يتكفله التأويل الذاتي وينطوي على ( مغالطة قصدية ) و( مغالطة عاطفية ) والمغالطة القصدية تعني ان قصد المؤلف غير متوفر في العمل وغير مرغوب به كمعيار للحكم على جودة ونجاح العمل او فشله فللنص (اصوله) وتعني المغالطة القصدية باختصار بانها خلط بين (القصيدة واصولها ) بينما المغالطة العاطفية هي (الخلط بين القصيدة وتأثيراتها ) ويخلص هذا الاتجاه الى ان النص وحده هو مدار المعنى متخلصا من سلطة المؤلف ومن اسقاطات القارئ
ان الذي نروم ان نبينه هنا ان المعنى ليس شيئا يقال او شيء يجب تحديده بل هو إثر ينبغي تجربته
وهذا الأثر يشاركه القارئ بتفاعله في مديات ادراكه لكنه لا يمكن له الانفلات بعيدا به لأن هذا الأثر مقيد بسياقات النص والنماذج المودعة في النص والمقيدة من جهة بقدرة اللغة الذاتية وباقتراحات الاستخدام للمؤلف لهذا نرى ان المعنى هو نتائج معطيات للنص واجتهادات للقارئ يؤل بها هذه المعطيات
ان كل تأويل هو متعذر تماما بدون فهم أي الادراك القبلي الباحث عن شروط تحقق التأويل والتعبير عنه واقصد هنا بفهم وتأويل النص الأدبي لا النص الفلسفي أو الديني باعتبار ان النص الفلسفي نص يبرهن على الهدف بينما النص الديني يكون التأويل فيه مقدمة للفهم ويعني الفهم هو تحقق المقصد الإلهي في الذات الإنسانية وهو عكس المطلب في النص الادبي الذي يشترط الفهم قبل التأويل باعتباره نصا جماليا يراهن على الادراكات الذاتية والانية عبر تاريخها المعرفي والشعوري بالأشياء
بعد هذه المقدمة (الغير ضرورية)
أحاول الان ان اصاحب مظاهر هذا النص لا معانيه دون ان ادعي فهمه تماما فالفهم ليس تام ابدا وليس غاية في ذاته قياسا الى مقصد الكاتب ولكنه غاية ضرورية في امتلاك الدال باعتبار ان كل متلقي هو مدلول ضمن قياسات تجربته الذاتية
يبدأ النص (برمز) الأضاليا وهو رمز اكتسب خصوصيته من سياق النص بعد ان كان مباحا عاما وقد افصح الشاعر عن نعمتين من نعم هذا الرمز في النص (هنا نتوحد وجع الأضاليا المسفوكة على عتبات البحر) و(كم أحبني أضاليا مترامية وسع شفتي )
وبزعمي ان الشاعر عبر سياق النص باستخدام اللغة قد عبر بهذا الرمز من مستواه الادبي الى مستواه الصوفي لأن المستوى الادبي ذو إحالة يمكن للبعد الجمالي للمتلقي رصدها وضبطها ولكن المتحصل هنا سياقات النص قوية جدا وحجبت هذا الرصد مما يؤكد عمق وتأصل وتحقق معطيات الرمز في ذات الشاعر بحيث تناسل التركيب من تلك العوالم (كم أحبني أضاليا مترامية وسع شفتي)
للنص مرجعيات معرفية (مدركات الواقع) ومرجعيات ذاتية تتمثل بوعي الذات ووعي باللغة التي تتمظهر فيها هذه الذات (مدركات الذات) ولكن هذه المدركات الذاتية يصاحبها تحفظ من النص عبر غلق افق التوقع للقارئ كي لا يتمكن من مناوشة هذا المدرك كليا وعبر التنوع ثانية في اشكال التركيب البلاغي فمن الأول قوله (الشمس منتفخة البطن بحكايا الطين ( ( و النور لم يعد سياق الأنبياء ( ومن الثاني قوله
مساء النميمة
والصلاة على ما كان...
.................................................. وبعد
ان هذا التنقيط له هو مدى رمزي له وعيه الخاص بأبعاد تجربة انتاج النص والتي تمنح المتلقي قياسات متنوعة في انتاج الدلالة الموازية او المقاطعة له
ثمة مستوى غير معلوم أو مخفي او مؤجل يتحرك في ذاكرة الشاعر او في خبايا اللغة
ان انتاج هذا المستوى غير المعلوم هو نتيجة ما تعني الجملة الشعرية في ظاهرها وما تؤجله او تخفيه في باطنها ويبدو ان مدار الشعرية يقع في هذا التلون بين الاظهار والاخفاء كذلك ان هذا المستوى يظهر من تجربة وعي الذات ووعي موقفها إدراكا وفهما وتجربة وعي المحسوسات والمعقولات وتاريخها مع هذه الذات
القسم الظاهر من النص هو رصيد الكلمات من الوضوح الذاتي وما سمح به الشاعر من ظهور ضروري
كي يحرس المسافة بين وعي المتلقي ومعطى النص
و لي امي يحرجني شوقها لابي مبتسما في قرص الخبز
أنا ..لست معنيا بأحد ..
تشتغل الشعرية في بعض مقاطعها في هذا النص على المعطى المركز القوي لا على المجاز او الصورة الشعرية
كــــ (النور لم يعد سياق الأنبياء) فهذا خبر صادم و(انا لست معنيا بأحد) خبر اخر
هذه الاخبار ليست صادقة او كاذبة هذه افكار في حقيقتها اذا ان الكلمات لا تعني شيئا في حد ذاتها الا اذا استعملها الفكر بمعنى انها وظائف انفعالية أي ان هذين الخبران هما انفعال اصلا قبل ان تخدعك اللغة بانهما خبر ..... اساسا هذا هو الشعر وهذا هو فضاء الشعر الذي قدم للمتلقي استعدادات ذوقية وتخيلية مكنته من انتاج الدلالة ولكن النص ظل يراقب هذا الانتاج بفعل جمله الشعرية القوية بين مجهول ومعلوم ومؤجل وماكث ومقيم وازعم ان هذا النمط من القصائد يظل حارسا امينا ووفيا لجودة الشعر العربي
اكتفي بهذا القدر في مناقشة هذا النص الرائع خشية ان يطول المقام
بوح عميق وصور بكر
نصك تغمره الدهشة والعتب تتوه حروفك في زحمة المدنية وأساليب العيش المريرة باللغة باذخة منمقة
نص يترك في القلب بصمته الخاص
لكم باقات من الخزامي
...
الاخت الفاضلۃ فاطمۃ
اسعدت النص كناصه بيراع مرورك
ياسمين ود