تكفهرُّ سماءُ النأي ، فترعدُ بالفقد ، وتومضُ بالفراق ، وترسلُ سهامَ حتوفها المريشة ، وسيوفَ الوداعِ المغمورة بشواظِ الحنين ، الشجن ، الوهن ، لتفرغها في القلوب المكلومة لتعيثَ فيها حرقًا وإنهاكًا ! وقد عصفتْ هوجُ الفقد ، فحملتْ معها خالدًا ، وفجرتْ براكين الحنين ، وأسالتْ حمم اللوعة في قلوبٍ من لحمٍ ودمٍ لا طاقة لها بها ! مضيتَ يا خالد والعيون باكية ، والقلوب شجية ، والأجساد واهنة ، والأكف مرفوعة ، وقد أقفر مسكنكَ ومنتديات أحبابكَ منكَ ، وأُبْتَ إلى الأم التي في حضنها مبيتكَ إلى يوم البعث والنشور ! مضيتَ يا خالد عن أهلٍ وأحبابٍ كنتَ الأنس لقلوبهم ، والبهجة لعيونهم ، والبسمة لثغورهم ، فأوحشتِ القلوبُ ، وتضاءلتِ البهجةُ ، وغاضتِ البسمةُ ! مضيتَ يا خالد والأعين لم تَرْوَ ، والقلوب لم تسأم ، والأرواح لم تكَتَفِ ، وما زالتْ ظمأى للنظر والحديث والبسمة والبهجة ! أيتها الأم الثكلى والإخوة الكلمى : مذْ رأتْ عيوننا النور ، ونحن نسيرُ في سبيلٍ وعرٍ نحو ذلك الشقِّ في باطن الأرض ، نظرًا ، زحفًا ، حبوًا ، سيرًا ، توكُّئًا ، فمنَّا من يبلغهُ نظرًا ، ومنَّا من يبلغهُ زحفًا ، ومنَّا من يبلغهُ حبوًا ، ومنَّا من يبلغهُ سيرًا ، ومنَّا من يبلغهُ توكُّئًا ، ورجاؤنا برحمة الله ومغفرته ، وعفوه ، ورضوانه ، يهوِّنُ علينا مشقة السبيل ، ويرَوِّضُ وعُورتَهُ ! أماه : قد مضى إلى ربٍّ رحيمٍ ، رحمته وسعتْ كل شيءٍ ، يُجازي بالحسنات إحسانًا ، وبالسيئاتِ عفوًا وغفرانًا ! أماه : هي فصولٌ أربعةٌ تتعاقبُ علينا –شئنا أم أبينا- ربيعٌ ، صيفٌ ، شتاءٌ ، خريفٌ ، وأعيننا ترنو وقلوبنا تهفو إلى دارٍ ربيعها دائمٌ لا صيف يعقبه ، ولا شتاء يسبقه ، ولا خريف يعتريه ! أحباب القلب الذين واراهم الثرى : لم تمضوا حفاةً ! بل انتعلتم القلوب ، وامتطيتم الأرواح ، وقدتم الأجساد ، وهجتم الخضمَّ ، فرحمكم الله ، ورضي عنكم في الدنيا والآخرة ويوم يقوم الأشهاد ، وجعل الملتقى في دارٍ لا موت فيها ولا ظعون منها !