منذ سنوات، وأنا أتحاشى الكتابة على البحر الخفيف (على الأقل في صيغته الكاملة) فهو مربك لأذني وليس خفيفا علي الإطلاق!
لكن لسبب ما جاءتني قصيدة "الأمنيات سؤال" على البحر الخفيف، فكتبتها.
ثم راودني سؤال موسيقي عماذا سيحدث لو أضفت سببا خفيفا في بداية الشطر، لأجعل أذني أكثر راحة مع الموسيقى؟
وقد جربت هذا، لأحول القصيدة بقليل من التعديلات إلى صيغة رائعة من البحر المنسرح.
هذا البحر في صيغته الرئيسية "مستفعلن مفعولاتُ مستفعلن" مربك جدا، وهذا ما جعله مهملا ويندر الكتابة عليه.. لكني في هذه التجربة اكتشفت أن ترفيل هذا البحر بزيادة "فع" في نهايته مع استخدام الزحاف "مستعلن" سيحوله إلى "مستفعلن مفعولاتُ مستعلاتن" وهو ما يكافئ: "مستفعلاتن مستفعلن فعلاتن" وهي صيغة راقصة وسهلة جدا عند الكتابة عليها!
في الحقيقة لقد أجحف العروض العربي التفعيلة "مستفعلاتن" حقها (وشقيقتها متفعلاتن)، فهي تفتح أبوابا موسيقية رائعة.. وقد سبق أن كتبت قصيدة "أذوب شوقا" على وزن "متفعلاتن متفعلاتن متفعلاتن" حيث أقول في مطلعها:
طيورُ رُوحي إذا تَراها تَهيمُ عِشقا
ودِفءُ نبضي إذا تولّتْ يصيرُ حَرقا
وبالبحث وجدت أن "مستفعلاتن مستفعلاتن" هي صيغة بحر تركي كتب عليه بعض الشعراء العرب، ومنحه البعض اسم البحر اللاحق، وسمى البعض الصيغة "متفعلاتن متفعلاتن" باسم بحر السمر، ورآها البعض مجرد صيغة من صيغ "مخلع البسيط"، والحقيقة أنها صيغة أسهل وأرشق من التقسيم "متفعلن فاعلن فعولن"، كما أن مسار الصيغتين سيختلف مع عدد مرات تكرار متفعلاتن، واختلاف زحافات مخلف البسيط.
وهو ما يعيدني إلى بداية كلامي عن أن التفعيلتين مستفعلاتن ومتفعلاتن تقدمان تقسيمات موسيقية راقصة لبحور تبدو في تقسيمها الخليلي صعبة ومربكة!
أعدت النظر في تقطيع البحر الخفيف بدوره، لعل مشكلتي معه تكون نابعه من طريقة تقطيعه الخليلية، فاكتشفت صيغة مدجهشة له سهلة للغاية، وهي:
فاعلن فاعلن فعولن فعولن
والتي تكافئ (فاعلاتن متفعلن فاعلاتن)
مع قدرة فاعلن على التحول إلى فعِلن، وفعولن إلى التحول إلى فعولُ
وقد جربت التقطيع (فاعلن فاعلن فعولن فعولن) فكتبت عليه ببساطة، لأنه يجعل الإيقاع أوضح في الأذن:
أيها المُبْـتَلى بِحبِّ الجَمالِ
إنّها تَنتهي بدربِ المُحالِ
أستطبتَ إذنْ شرودَ الليالي
أم حلا لَذْعُهُ عذابُ الخيالِ؟
صدقت ايها الجميل
نعم وانا لا احبه ربما كتبت
قصيدتين فقط وهنا على طريقتك
اظنها تكون اجمل
ولكن ليست كل فاعلن تصلح لتكون فعلن
وليست كل فعولن تصلح لتكون فعول
حتى يبقى البحر سليما كما اتانا من الفراهيدي