ذكريات: القسم الثالث عشر ( الوضع السياسي قبل ثورة 14 تموز )
ذكريات
الوضع السياسي قبل ثورة 14 تموز
القسم الثالث عشر
سبق وان ذكرت في مقالي السابق ، ان القوى السياسية بمختلف اتجاهاتها ، كانت متفقة في استراتيجيتها حول التخلص من الاستعمار وتحرير الوطن ، ولكنها كانت تختلف مع بعضها ايدولوجيا ، وهذا لأمر طبيعي في كل الحركات السياسية ، ولكن ما يؤسف كان الصراع يقوى ويزداد شدة مع الايام ، وكنت ألاقي شكوى ، عند زياراتي لكلية الحقوق ، وكلية الطب ، ودار المعلمين العالية ، وكلية الاقتصاد ، وكلية الاداب ، نعم كنت الاقي شكوى مؤلمة من القوميين ، واخوان المسلمين ، وعدد ضئيل من البعثيين ( اذ كان في حينها لا يملك وزنا سياسيا يستحق الذكر ) وحتى من بعض الشيوعيين ، و كان الكثير من معارفي من المستقلين غير راضين على تصرفات بعض الشيوعيين ، وهذا ما كان يؤلمني جدا ، وكنت احاربه بكل امكانياتي.
الحزب الشيوعي كان يفتقر لكادر مثقف. وجدت عواطف تغلي نضالا ، الا على صعيد الواقع ، كانت ضحلة جدا ، لا تعرف الا ترديد اصطلاحات حتى لا يعرفوا معناها. هذه الفكرة تكونت عندي بنتيجة واقع عايشته في الاجتماعات الموسعة ، التي كنت اديرها واحاضر فيها ، وفي احتكاكي مع كوادرهم. كلمات يرددونها كببغاء مثلا : البرجوازية ، بتي برجوازية ، البروليتاريا ، الصراع الطبقي ، وبعض اقوال لنين ، وستالين بسياق عاطفي بعيد عن معناه الصحيح . واما المقابل المثقف ، لا يعرف معنى البرجوازية ، ولا بتي برجوازية ... الخ ويحكم على صاحبنا انه مثقف. انا لا احتاج ان اقول الطبقة البرجوازية وانما الطبقة الغنية ، ولا احتاج أن اقول بتي برجوازية وانما الطبقة المتوسطة ، ولا احتاج ان اقول بروليتاري وانما اقول عامل فقير معدم ... الخ وكنت باسلوبي الدبلوماسي احاول بقدر امكانياتي البسيطة ان اهدئ الامور ، غير اني في نفس الوقت كنت اعرف مصدر هذه المشاكل وكنت اخشى من نتائجها السلبية على المدى البعيد.
في بداية عام 1958 في بغداد تعرفت على الدكتور رفعت علي الشيباني وقويت علاقتي به وهو انسان مؤدب جدا وصاحب اخلاق عالية جدا وكانت عيادته في البناية الواقعة على شارع الرشيد عند لقائه بشارع المتنبي وكان في وقتها نائب رئيس نقابة الاطباء والتي كان يرأسها الدكتور القيسي ، وعن طريقه تعرفت بأخيه الدكتور طلعت الشيباني ، وكان استاذا في كلية الاقتصاد.
خابرني يوما الدكتور طلعت الشيباني وقال لي حرفيا : صلاح سيأتي صديق لعندي للعيادة بعد الدوام ويريد ان يتعرف عليك ، ويسرني مجيئك. فوعدته خيرا.
ذهبت بالموعد المقرر وعرفني بكاتب سبق وان قرأت له ، الا اني لا اعرفه بالشكل ، وهو الدكتور علي الوردي ، رحمة الله عليه. ذهبنا وجلسنا في نادي الضباط القريب من وزارة المعارف ، ويعرفوني عن طريق احد اقربائي. وكانت جلسة علمية لطيفة جدا. والحديث الذي دار بيني وبين الوردي حول كتاب له سبق وان قرأته وهو (( وعاض السلاطين )).
التقيت بعدها ثلاث مرات مع الدكتور علي الوردي وسأتطرق لهذا في مقال خاص.
الشيء الذي كان يقلقني وأنا ابن 15 عام ، هو الصراع الحاد بين القوى الوطنية ، واعتبرته في احدى محاضراتي التثقيفية في الخلايا السرية ، أنه احد العوامل التي ستسبب في نكبة الوطن ، وسيتبعه خسائر كبيرة بأرواح الابرياء من ابناء شعبنا. كنت اقول هذا للشيوعيين ، وأصدقائي من القوميين ، ولبعض الكوادر التي اعرفها من البعثيين ، كما رددت هذا في جلستين حضرتها للاخوان المسلمين ، واحدة ليلا قرب جامع الامام ابو حنيفة رضي الله عنه ، في الاعظمية ، وكان يقود الجلسة شاب طويل يسموه ابو علي. رحبوا بي وعبرت في كلمتي عن الاخطاء التي ترتكبها القوى الوطنية قاطبة ، وعن مدى التضحيات التي ستقدمها والتي ستخدم اعداء الامة العربية والاستعمار.
الاجتماع الثاني للاخون حضرته في كرادة مريم وكان يقوده شاب مؤدب جدا من بيت البيرماني وتعرفت باخيه او ابن عمه الدكتور محمد علي البيرماني والذي حسب ما اتذكر اصبح لفترة مدير الاذاعة والتلفزيون في زمن عبد الكريم قاسم رحمة الله عليه. وفي الاجتماع رددت القول نفسه الذي ذكرته في كلمتي في الاعظمية.
عن طريق الدكتور رفعت الشيباني تعرفت بالدكتور الرسام خالد الجادر في بيته بالصليخ وكان يرسم لوحة : في انتظار طبيب. كنت ازودهم بكل نشرات الحزب الشيوعي .
مرة جلب استغرابي الدكتور رفعت الشيباني بقوله الموجه لي وهو يبتسم : صلاح سيأتي يوم تسب فيه الشيوعية ، والشيوعيين فأجبته غاضبا : انا لا يمكن أن اسب قوى وطنية وأزعجتني بقولك يا دكتور ،فاعتذر مني في الحال.
التقيت حسب موعد بعضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي سليم الجلبي وتحدثنا حوالي اكثر من ساعة طبعا حديث سياسي واختلفنا ببعض الامور البسيطة ، وأتذكر قوله لي : والله يا جني انا معجب بثقافتك ههههههههه وكان مؤدبا جدا.
في الحقيقة لم اكن اذكى واثقف من غيري ولكني كنت اقرأ كثيرا بسبب أن اسد النقص الذي ابتليت به في الموصل وهو الفقر ولأثبت وجودي كانسان في المجتمع ، ولأساوي نفسي بغيري ، قد يجوز بدافع عقدة الشعور بالنقص التي جعلتني أنكب على دراسة الفلسفة الالمانية ، والفلسفة الايطالية ، والفلسفة الانكليزية ، وافادتني هذه الدراسات جدا في حواراتي مع الاخرين. ( مو اذا هم فكر ، وهم كسل ، محد يديرلي بال هههههههههه )
اخوكم ابن العراق الجريح : صلاح الدين سلطان
يتبع
آخر تعديل صلاح الدين سلطان يوم 10-13-2015 في 05:48 AM.