ذكريات الانسان قد لا تكون من الاهمية للقارئ ، لأنها تخص الكاتب اكثر من غيره ، ولكنها لا تخلو تماما من فائدة.
لذا فكرت ان اكتب ذكرياتي على حقيقتها ، عل القارئ يجد فيها نوعا من التسلية ، في عصر ملأ غبار ظلمه الاجواء.
.................................
سجلت في مدرسة اهلية وكنت ابلغ من العمر خمسة سنوات ، وفي السابعة من عمري كنت اميل الى قراءة القصص التي تناسب ادراكي الفكري.
السبب الذي جعلني أميل لقراءة القصة ، بفضل ما كنا نسمع ونحن صغار ، من قصص عن لسان الوالدة ، وكانت رحمها الله ، تجسد لنا الحدث تجسيدا ، وبكل مهارة ، وكأننا نعيش الحدث بكامله ، تارة نضحك بعمق ، وأخرى تظهر على وجوهنا الكابة ، و تارة أخرى نرتعب ، بل نخاف من خيالنا هههههههههههههههه
كنت معجبا بالكتاب ، وأي كتاب كان ، بل أكثر اعجابا بمؤلف الكتاب.
حفزني هذا ، وجعلني اميل الى قراءة القصص ، وأتفهمها بكل رغبة وشوق ، وأنا ابن السابعة. وكنت اعتبر مؤلف الكتاب من العبقرية بحيث لا يضاهيه احد ، وكتاب بدائع الزهور في وقائع الدهور كان مؤنسي ، بقصصه التي تروي ظمئي. كانت امنيتي أن اجلس مع من الف كتابا لأنهل شيئا من عبقريته.
سمعت أن ابن عمتي صديق حميم لشاعر معروف ، و اسمه : بدر شاكر السياب . ووقع بيدي كتيب ، مهداة له من مؤلفه ، الشاعر السياب. كما عرفت انه يلتقي معه كل يوم جمعة صباحا في مقهى صغيرة بباب الامعظم (( ألمعظم )).
اخبرت صديقي زهير احمد القيسي (1 ) وكان بدوره مولعا بالكتب ، ورجاني أن اصحبه معي ان تحقق مطلبي ، فوعدته خيرا.
في صباح يوم جمعة ، ذهبت مع ابن عمتي ، ومعي صديقي ، زهير احمد القيسي الى باب المعظم (( ساحة مدورة معروفة لكل بغدادي ، فيها المكتبة العامة ، كما اسميها انا ، واعتقد يسموها دار الخزانة. ))
لو وقفنا بباب المكتبة ، بحيث باب المكتبة تكون بظهرنا ، سنجد ما يلي :
على يدنا اليمنى نهاية شارع الامام الاعظم. وعلى يسارنا شارع يذهب الى كلية الاداب ، وكلية الملكة عالية للبنات. أمامنا بعد الساحة بداية شارع الرشيد. على جهتنا اليمنى من الساحة ، قاعة فيصل وشارع يذهب الى مستشفى المجيدية. وكذلك في الجهة اليمنى من الساحة موقف لسيارات الامانة الحمراء ، بطابقين ، تذهب لباب الشرقي ، كرادة مريم عن طريق شارع الرشيد. وسيارات تذهب للأعظمية ، وسيارات تذهب للكاظم ، وأخرى تذهب للصليخ. أما على جهتي اليسرى من الساحة مقهى صغيرة يجلس فيها الشاعر بدر شاكر السياب. ) دير بالك يا قصي الطيب ، وديري بالج يا عواطفنا أن تقولا : ذاكرتي غير جيدة هههههههه
نعم مقهى صغيرة ، دخلناها ، وتعرفت وصديقي ، على شاعر العراق العبقري ، بدر شاكر السياب رحمة الله عليه.
رحب بنا ، وبعد حديث ، اهداني بخط يده ، قصيدة له ، وقال : غدا ستنشر في صحيفة ، نسيت بعد هذه السنين اسم الصحيفة.
فرحت جدا بالقصيدة ، وطلبها مني بعد سنين ، صديقي الخياط علاء التميمي ، ولم يرجعها لي ، سافرت كطالب بعثة ولا اعرف ما حل بها.
حفظتها على ظهر قلبي وبعد سنين عجاف نسيتها ، وهذا ما تبقى منها في ذاكرتي:
صور لنفسك في الخيال
أباك في وسط الحريق
يدعوك بالصوت الابح
وقد طخبط كالغريق
ويمد من خلل الدخان
يديه يبحث عن طريق
..........................
وأنظر لأمك وهي ترقد
في التراب على قفاها
تتجاذب العقبان ثديي
ها ويفقأ ناظراها
وتلق من دمها الكلاب
وينخر الدود الشفاها
...........
اتذكر كلمات منها:
....وقع على السلام
لتوقف الدم والدموع عن انسجام
...................
الله يكون بعونك يا صديقي علاء التميمي ، لأنك حرمتني منها !!!!
ثلاث مرات ذهبت بصحبة ابن عمتي وهناك تعرفت بالشاعر عبد الوهاب البياتي ، وحسين مردان ، وكاظم جواد ، ومرة جاء الجواهري ، وخرج منزعجا جدا ، بعد مشادة كلامية مع حسين مردان ، وشخص اخر لا اعرفه.
الشيء الذي لفت نظري في احدى المرات ، اعتقد في اخر زيارتي للمقهى ، أي المرة الثالثة:
جاء بائع مجلة ، فأخذها بدر شاكر السياب وتصفحها بسرعة ، فاحد الجالسين ولا اريد ان اذكر اسمه ، قال لبدر بخشونة : اشتريها وتصفحها. بدر في الحال ارجعها للبائع بخجل.
حدث اخر غريب : الكل في المقهى يميلوا الى الشيوعية ، او بالأحرى : يساريون ، وضمنهم بدر شاكر السياب.
اتذكر حدثت مشادة كلامية عنيفة بين بدر واحد اقربائي من جهة ، وثلاثة من الشيوعيين من جهة اخرى .
الذي اولع الحوار هو الشاعر بدر شاكر السياب نفسه.
قال بدر : العجيب انتم الشيوعيون تفتخروا بموسكو اكثر مما تفتخروا ببغداد !!!! وتمجدوا بغوركي وتلستوي اكثر مما تمجدوا بحسان بن ثابت و المتنبي والجاحظ . اجيبوني هل انتم روس ام عرب ؟ اليس العراق بلدكم ؟ وأليس الشعب شعبكم؟
الستم من ابناء الامة العربية ؟ بعد نقاش حاد خرج بدر شاكر السياب منزعجا ، وخرجنا معه ، وكانت اخر زيارته لهذه المقهى. وسمعت قد احتضنه القوميون العرب ، واحترموه جدا.
اخوكم ابن العراق الجريح : صلاح الدين سلطان
.............................
1- زهير احمد القيسي ، ابوه كان مديرا لمدرسة العسكري للبنين ، والتي تقع في نهاية شارع العسكري في محلة العيواضية. وكنت اعرف بحكم صداقتي له ، والدته المرأة الطيبة الكريمة ، واخته سعاد ، والتي انهت دار المعلمين العالية ، وأصبحت مديرة مدرسة ، كما سمعت من احدى المعلمات بمدرستها ، في السبعينات ، وليتني اعرف ما حل بهم.