صراخ، ونواح.. وسيارة إسعاف تشق الزحام..........
وفجأة.. ظلمة موحشة، في مرقد ضيق جدا، تكاد تعصرني جوانبه الأربعة، كل شيء هامد في إلا الدهشة!! ودقات قلبي التي كادت بصوتها الأرعن تفجر هذه المقبرة. يا إلهي...! ما هذا.........؟! أحاول تنبيه ذاكرتي.. يقاومني النسيان؛ أحاول مرات.. حتى تراءى لي مشهد تذكرت أني لملمته هنالك من خلال بصيرة مشوشة، وخزنته في ذاكرة مسحت كل محتواها؛ كي تستوعب كل هذا المدى المريب.. كان شعورا غريبا!! وكأنه مس من شعور أهوال جهنم.. هرج ومرج وعويل وبكاء وأنين...
الوقت معطل، لا حراك للثواني إلا بخبط يروح ويجيء، يبعث هذا بعضا من الأمل؛ فلربما هي أفعال من أناس تريد لي الخروج، أو ربما هي أشباح تريد أن ترهبني، أو لا هذا ولا ذاك ؛ ربما هي ملائكة الحساب تأتي لحسابي.
أتململ ساكنا بين إغفاءة وإفاقة، وبين جدر باردة، أحسها وكأني بين جوانب فرن متقد. لا أشباح مخيفة تريني وجهها الأغبر، ولا (منكر ونكير) يقدمان لحسابي.
أسأل نفسي: يا ترى هل أنا ميت، والأموات تشعر وتحس وتسمع، أم أنا في حلم مريب؟! أم هي روحي؟! أبحث عن حقيقة أمري؛ فأهم بتحريك يدي كي أتحسس جسدي؛ لا تتحرك يدي..!! أهم بتحريك ساقي؛ لا تتحرك..!! أرفع رأسي؛ تفاجئني صرخة ألم، وكهرباء تسري في جسد وهمي لن أشعر بوجوده؟!
ازددت تعجبا!! كيف لا يوجد لي هنا سوى رأس تتحرك في ألم، ولا يوجد جسد؟! فهمت بأنها روحي، وأني تركت الدنيا وما عليها.. والآن: ليس لي هنا سوى روح تشبه رأس إنسان!! هذه هي الحقيقة التي لا يعرفها إلا الموتى.. ويا ترى هل الألم الذي أشعر به في عنقي هو العذاب الذي أستحقه؛ أم هو تمهيد لعذاب شديد؟
جمعت الدنيا كلها قبالتي، فرأيتها لن تملأ ركنا واحدا من أركان قبري، واستحضرت زوجتي وأولادي، وأمعنت النظر في طفلي الصغير.. وانتظرت بأن يكون بصري حديد؛ كي أخترق الحواجز والمدى.. لأرى الأهل والأحباب بالجلابيب السود، وأرى خيمة العزاء الواسعة في مكانها المعلوم؛ ذلك الجرن الفسيح، الذي استقبل فوضى الأفراح، وصمت الأتراح.
أعلم بأنها ساعات وينفض الزحام، وربما أيام أو شهور وينفض الحزن كله حتى الأعماق؛ هذه هي حقيقة نعمة النسيان المرة لعالم الأموات.
اشتد الألم وتملكني بقوة.. حينها أدركت أنه قد حل بي عذاب القبر، وحل أيضا فزع رهيب؛ كلاهما يزيد من قوة الآخر؛ كانا حليفين متسلطين للفتك بي دون رحمة.. وكأني كنت تارك لصلاتي، أو أنقصت من ديني.. أو كنت على ذنب عظيم.. استنجدت بربي، ورجوت الرجوع إلى حياتي كي أزيد من أعمالي الصالحة، وتذكرت هذه الآية: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ) ثم رحت مستسلما للعذاب الأليم.. لم يمر من الوقت إلا قليلا؛ وقد تنبهت بعودة الخبط؛ ولكن بشكل مختلف.. وإذا بشيء يسري بي.. فوجدتني على طاولة تخرج من عتمتها.. ففهمت من الذين ظهروا حولي: أنني كنت تحت فحص أشعة الرنين المغناطيسي.
___________
عبدالله عيسى
ماسح التصوير بالرنين المغناطيسي: آله كبيرة الحجم، يوجد بها نفق في الوسط وبها ما يشبه الطاولة، يضع المريض عليها، ويتم تحريكها آليا كي تدخل النفق. ويصدر الماسح دوي أي خبط أثناء التصوير ويبقى ألمريض تحت التصوير فترة تتراوح من 15 دقيقة حتى ساعة.
ملحوظة: القصة بها مفاهيم طبية؛ قد تبدو أكثر وضوحا للأطباء؛
وخصوصا متخصصي المخ والأعصاب.