ونسيَّ أنها من جعلته يتنفس الحياة، تسلق سلمها بالقرب منها وتبرعمت أغصانه بما تسقيه منها ..عندما رفع صوته صارخا بها .
اتركيني أعيش.
جحود/ يقال أن العنوان هو جزء من روح النص، ويضيء جسد النص، فهو بمثابة الثريا التي علق في سقف النص، وهناك من النقاد من يعتبره نصا مستقلا بنفسه .وفعلا نجد العنوان "جحود" قد أنار النص قبل أن يلج القارئ ليتجول في جغرافية النص ، فالعنوان أعطى للقارئ طريقا سهلا يتلمس فيه صفة الجحود، ويتساءل كيف تولد ، وكيف تشكل عبر زمن السرد .
ونسيَّ أنها من جعلته يتنفس الحياة/ تعتبر هذه الجملة السردية مفتاحا للنص ،وهي في الواقع نتيجة لما حصل ووقع لما سيأتي سرده فيما بعد ،نتيجة جاءت كحكم نهائي يحدد موقف السارد حول عملية الخير التي لم تكن في موضعها وما يقابلها من جحود .ثم جاء الحكي ليبين لنا كيف أن الإنسان يتنكر ويصبح جاحدا بعد إكرامه والاهتمام به حتى يشتد عوده.
وقديما قال الشاعر :
أعلمه الرماية كل يوم *** فلما اشتد ساعده رماني
كيف وقع الجحود والنسيان ؟ تسلق سلمها/ تبرعمت أغصانه/رسمت الساردة مسارا مختصرا لحياة البطل الذي وجد دعما ومساندة للارتقاء نحو مستوى اجتماعي عال ، كثرت علاقاته ،انفتاح عقله ،ازدادت رغباته ،اكتسب تجربة كبيرة في تدبير أموره.... اطلع على الحياة بشكل أوسع حتى شبع وارتوى ،وعب ما شاء من نبع لا ينضب، كسب المال والجاه والصيت ..كل هذه المعاني امتلأت بها كلمة "تبرعمت أغصانه " وهو انتقاء جيد للغة جميلة تتضمن التلميح والإشارة والإيحاء ، وجملة "بما تسقيه منها " قد تبدو لنا جملة تفسيرية ، لكني أراها أنها تحدد مصدر تبرعم الأغصان ..بل أضافت ذوقا أدبيا متميزا يرسم طريقا واضحا للفهم والتأويل السليم وهو الرعاية المتدرجة . بطل توفرت له شروط العيش الكريم ،وأصبح ذا قيمة لما أتاه الله من سبل العيش على يديها بعدما كان مجردا من كل شيء ، وبمجرد تثبيت نفسه ،وأحس أنه حقق ما لم يكن في ظنه ، طغى وتجبر ،فأراد أن يغير حياته ، ويبدأ حياة أخرى مع امرأة أخرى جديدة على ما أعتقد. فبعد ما كان خنوعا ومطيعا وراض بالقليل ،هذا القليل يكثر ويزيد مع الأيام ، تطلع إلى التغيير فنسي من كان يدعمه ويسانده بعدما كان على الحضيض. فتجرأ على الصراخ ليؤكد سلطته وقوته وشخصيته، فكل رغباته وطموحاته الجديدة لخصها في جملة" اتركيني أعيش" فالترك يعني إجبارها على المغادرة والابتعاد ،فلا يختلف المعنى عن الطرد والتهميش والإقصاء .وفعل" أعيش" عيش مختلف ،مسار مختلف ، بداية جديدة مع أخرى .. بطل جحود متنكر للخير ،قال تعالى "كلا إن الإنسان ليطغى ،أن رآه استغنى ".
ومضة جميلة هادفة شخصت بفنية أدبية آفة ما زالت تنخر خلائق بشرية متعددة ،آفة قديمة مرت به شخوص تاريخية كانت جاحدة لنعم الله ،ونعم الخلائق على الخلائق .. ومضة صيغت بلغة مجازية ممتلئة بالدلالات والمعاني ،معان يمكن استنباطها من توسيع الفهم وملء الفجوات ..
جميل ما أبدعت الأخت عواطف ،وما قراءتي إلا اجتهاد ذاتي ،ويمكن أن تكون هناك قراءات أخرى أحسن ..
مودتي وتقديري