كلما رحلت بخيالي بعيداً وتخطيت تخوم هذا العالم الذي عشت أمداً طويلاً أضيق به، ولا زلت حتى الساعة لا أكن له كثيراً من الود والارتياح ، شعرت أن الجنة التي أحلم بها ليست أكثر من شفق غروبي كذلك الشفق الذي كان يكسو سماء دمشق في صيف بعيد بعيد مر عليه عشر سنين أو أكثر ، ولكنه حتى اليوم ما زال محط آمالي ومنتهى أحلامي.
هناك ...في مكان تحتفظ به ذاكرتي حيث تلون السماء حمرة تميل إلى الصفرة، و أقف أنا على شرفة منزل ما فتخالجني مشاعر أشتاق إليها اليوم ، لأني ببساطة لم أعد ذلك الفتى ذا الأربعة عشر ربيعاً،الذي تملأ قلبه فرحة و بهجة و تأثر وحب للحياة.
هل ترى كنت أنا ذلك الفتى أم ترى كان غيري، وإن كان لي شخصيتان فأيهما الأصلية وأيهما المزيفة ؟،و أيهما التي تكشف داخلي و أيهما التي تخبئه؟ أسئلة تترى وليس لها من جواب يشفي العليل.
كلنا نخفي حقائقنا وراء براقع نزركشها و نزينها، ونكسوها بالمساحيق والزعفران لنجمل كثيراً مما نحسبه قبحاً ،لا لشيء إلا لأن من حولنا يعدونه كذلك، فيما هو حقيقة ،و الحقيقة دوماً صنو الجمال إن لم تكن هي الجمال ذاته، ولكننا نصر على الكذب والخداع حتى غدا هذان الشران هما الخير عند كثير من الناس ، ولا يملك من يكرههما أن يواجه بشرية شبه كاملة تتخذهما سبيلاً ومنهاجاً.
بلى... إن الحياة لتفتح أعيننا على أجواء غريبة لم نكن تعودناها حين تربينا، ولذلك حين وجدنا الواقع غير ما كنا نرجو ونحسب ارتدت مشاعرنا و قلوبنا متألمة واجمة ، وراحت تسرح باحثة عن عالم جديد حاله غير حال هذا العالم .
آه منك أيتها الدنيا ...هل قدرنا أن نعبرك وحالنا هذه ....أم إن من حقنا أن نجد مكاناً لأنفسنا نرتاح إليه فيك ، أم إننا سنبقى متخبطين نسير عمياناً على غير هدى بحثاً عن بوتقة توصلنا نحو النور أو نحو الحقيقة.
التوقيع
الأديب هو من كان لأمته و للغتها في مواهب قلمه لقب من ألقاب التاريخ