كثيرة هي الأماكن التي تمرُّ في حياة المرء ، منها ما تغيبُ ولا نحفظها في ذاكرتنا ، ومنها ما تبقى عالقة في مخيلتنا ، فكم من شارعٍ يسكن وجداننا ، أو مقهى عتيق في أطراف مدينة ، أو مدينة من بين المدن تملأ خبايا روحك ، وتمنحك ذاكرتها الكثير من الشوق .
وهناك أماكن لم يشدّك الحنين لها لتقتحمها بمفردك ، ومدن لا ترغب بزيارتها والتجول في شوارعها والسهر في مطاعمها أو أماكنها بمفردك ...لم توجد هذه المدن لتعيش حلمك فيها وحيدا ، وتتناول فنجان قهوتك ووجبة غذائك وحيدا .
مدنٌ رائعة كنسمة صيف ، قريبة كدمعة تنساب على الخدود ، مؤلمة كما الوجع في الروح .
مدن ٌ كثيرة مررتُ فيها ، مدن تزينها الشواطيء وتزيد من سحرها وشجونها ، وأخرى تشبهك أنت .
حبّكِ كان يتسللُ من الأزقة والحواري العتيقة ، يمرٌّ من الطرقات المؤدية للمنازل الفارهة التي تشبه القصور ، ويفوح من جنبات أسوارها عبق الياسمين ، كان حبّك ِ يتدفقُ من أصوات العابرين ، والبسطاء الذين يحملون على أكتافهم أحلاما مشروعة ...مع أشعة الشمس التي تطل من خلف العمارات الشاهقة ، مع رذاذ تشرين في الصباح ...مع أنوار نجمة تطل من النوافذ .
مع فساتينك الأنيقة ، مع أوتار كمنجة مموسقة كجدائلك ، مع قصائد المتنبي وأبي تمام والبحتري ، مع أحزان محمود درويش السرمدية ، مع وجع المدن في الأرض المحتلة ...
لم تكوني مجرد جزء من مدينة ...كنت كل المدن وكل الذاكرة ...يا امرأة من بيلسان .
لم تكوني يوما فكرة ً عابرة ، أستحضرها في هدأة الليل لأنسج من ضفائرها قصيدة ، لم تكوني صورة توقفت أمام ملامحها الخرافية ، لتُعين فرشاتي وألواني وأنا أرسم لوحة ً أعلقها على جدران المعرض القادم ، فتنال إعجاب العابرين .
لم تكوني حكاية ًحفظت ُ فصولها ... كنت وستبقين الفصل الأجمل والأطول في حكاية العمر ...الفصل المليء بالمحطات والمواقف ، الذي يدعوني دائما لرحلة تأمل لا تنتهي .
أيتها الإستثنائية في كلّ شيء ، في لباقتك ورقة مشاعرك ، في حديثك وحضورك ، في اقترابك وغيابك ، في أناقة ابتسامة ...كيف أستطيع أن أبوح ، وأي أبجدية ستكفي للبوح ... ! .
كيف أستطيع أن أغريك لمشاطرتي حديثا لا يعرف التوقف ، كيف أستطيع أن أجذبك لعالم مفرداتي ، لتنتقي منها ما يليق بهذا الجنون ؟