جَمّ
تضِنُّ علينا اللحظَ مَن لحظُها شَزْرُ=فما نابَنا في الوصلِ جَمٌّ ولا نَزْرُ
تتيهُ على العشاقِ شِبهُ ملائكٍ=وما لملاكٍ حَلَّ تَيهٌ ولا كِبْرُ
على أنها حازتْ من الحُسنِ وافراً=فلم يبقَ منه في بني جنسِها وَفْرُ
إذا خطرتْ جُنَّ الهواءُ بشَعرِها=ومرَّغَ خدّاً طارَ من حولِه الشَّعرُ
يرومُ ثَواءً بين أفياءِ مَفرِقٍ=ويثنيهِ عمّا رامَ مِن حُسنِه نَحرُ
تُعيرُ أديمَ الأفْقِ حُمرةَ وجنةٍ=فيغرقُ غرباً حيثُ أودى به السُّكرُ
كحبةِ خَوخٍ بالخُدودِ تعلّقتْ=وشابَهَ سحرَ الخَدِّ في لونِه ثَغرُ
فمٌ مثلُ ختمٍ أحمرِ الشمعِ مغلَقٌ=ويُبدي نضيداً دُرَّهُ حينَ يفترُّ
تميسُ بقدٍّ مثلما الرمحِ مُشرَعاً=وما عابَ سَمتَ الرمحِ طولٌ ولا قِصْرُ
على أنه باللمسِ يهتزُّ مائداً=كبانٍ عَراهُ عندَ مَسِّ الصَّبا نَفْرُ
تشعُّ بياضَ الثلجِ في الدفءِ شمسُها=وليس يُذيبُ الثلجَ مِن شمسِها حَرُّ
دَهِشْتُ لمَرآها وقد أشرقتْ ضُحىً=وبيني وبين الشمسِ مِن قُربِها شِبرُ
كأني بيومِ الحشرِ والشمسُ قاربتْ=وفيضُ اعتراقي شاهدٌ أنه الحشرُ
تدِبُّ حياةٌ عبرَ كلِّ جوارحي=وتُنشِزُ عَظماً عاثَ في جوفِه النَّخْرُ
فيا ليبابِ القلبِ يربو مجدَّداً=وقد جادَهُ مِن عشقِها وابلٌ قَطْرُ
لقد كنتُ في ليلِ الإياسِ مُلفَّعاً=وها قد أضاء العَتْمَ في عينيَ الفجرُ
تجمّدتُ لا أقوى على دَرْءِ عارمٍ=بوجهي ولم يُسعفْ على القهقرى جسرُ
جرى خلفَها حتى اختفتْ طَرْفُ والهٍ=وسَمَّرَ أقدامي عن المُقتفى خَدْرُ
وتأفلُ عن عين المتيَّمِ شمسُها=فما أعتمتْ إذْ شَعَّ من قلبِه الجمرُ
فإن أجرمتْ وِزراً بتحريمِ وصلِها=فأصغرُ من فضلِ الهوى ذلك الوِزرُ
وإمّا تضِنَّ اللحظَ مَن لحظُها شَزرُ=فقد نابَنا مِن عِشقِها الجَمُّ لا النزرُ.