ركضتُ صوب نفسي ، احتضنتها ، وأقسمت لها أن أتبرأ من سذاجتي التي كادت أن تسقطني وأسرتي في غور سحيق .
لم أكن ذات خبرة بهذا العالم المسوّر بالغدر ، وتجاربي محض سراب ، فما أنْ خرجت من تحت عباءة أبي وأخوتي حتى انضويت تحت عباءة زوجي ، ولم تكن هناك مسافة بين هاتيك العباءتين ، فكيف لي معرفة محيطي وأنا محاصرة بين خاصرتين ؟.
تزوجت قبل انتهاء دراستي الثانوية بعامين ، وحين حصولي على الشهادة بامتحان وزاري خارجي ، أعربت لزوجي عن رغبتي باتمام تعليمي الجامعي لكنه رفض الفكرة .. وكعادتي أطعت وانزويت.
لا أدري لِمَ قررت البوح ، ربما أمرني صوت الخشية من الاندماج ، أو قد تكون سذاجتي ، لكني قررت .. وهذا مايشعرني بالارتياح.
في صبيحة أحد الأيام البعيدة جداً رن جرس الباب.
كنت نائمة حينها ، نهضت أتعثر بنعاسي ظنا مني أن القادم هي الخادمة التي اعتادت أن تأتي في مثل هذا الوقت ، لكني فوجئت برجل لا أعرفه ، سلم علي بحميمية لم آلفها من رجل غريب ، ثم سألني عن زوجي بعد أن عرفني بنفسه :
ـــ أنا الدكتور هيثم صديق الأستاذ حسن فهل هو موجود .
ــ لا .. هو ليس هنا ، بإمكانك أن تذهب إليه في مكتبه.
ـــ للأسف يتعذر علي الذهاب إليه الآن ، لدي بعض الأعمال التي ينبغي علي إنجازها لأنني عدت من السفر ليلة أمس ، لكن يمكنني أن أترك له بعض الأشياء التي طلبها مني قبل أن أسافر إلى كندا ، أرجو أن تبلغيه تحياتي وأن تخبريه أني جلبت له معظم ما طلبه مني ، اسمحي لي أن أحضر لك الأغراض من السيارة .. آه ..وددت أن أخبرك أن زوجك يحبك جداً لأن كل الطلبات تخصك أنت .. جلبت لك ملابس فاخرة و قطعة بلاتينيه محفور عليها أول حرف من اسمك ، كما أحضرت لك دواء أرجو أن ينظم ضربات قلبك .. مم تشتكين؟
وجهت له نظرة استغراب ، لكنه قال لي على الفور :
ــ أنا دكتور جراح متخصص في جراحة القلب والأوعية الدموية ، ويمكنني معالجتك .. أرجو أن تشرفيني في العيادة ، فالأستاذ يعرف مكانها ، أرجو ألا تقلقي على قلبك فصحتك تهمنا وزوجك عزيز علينا.
مد يده دون مقدمات ليجس نبضات قلبي .. لم أعترض ، ثم راح يسأل وأنا أجيب ، ولم يوقفني شيء سوى ملاحظتي لتلك الارتعاشة التي بدت على صوته وعلى أصابعه التي راحت تزحف صوب ثديي ، فابتعدت عنه قائلة :
ــ كفى لو سمحت سوف أزورك في العيادة لإجراء الفحص اللازم .
ــ حسنا .. سأحضر الأغراض من السيارة.
لم أفكر طويلا قبل أن أقوم بإغلاق باب الشقة بإحكام ، هدأت نفسي ثم اتصلت بزوجي ، وقصصت عليه ما حدث فأوصاني ألا أفتح الباب لأنه لا يعرف هذا الشخص ، وأن هذه ليست إلا لعبة قذرة غايتها توريطه في أمر ما .
بعد دقائق حضر الرجل بالفعل لكني لم أفتح له بالطبع فانصرف ، وأنا لم أفعل شيئا سوى الاختباء داخل نفسي من شدة الخوف .. حتى أدمنت عباءته.
وبعد فشل تلك المحاولة بأيام ألقي القبض على زوجي بتهمة ملفقة من أحد الأصدقاء ، لكن الشرطة أخلت سبيله لعدم كفاية الأدلة ، فتبين لنا فيما بعد أن الرجل الذي ادعى أنه صديق زوجي كان مدفوعا من قبل ذلك الصديق الذي أراد توريطه من خلالي ، معوِّلاً على حب النساء للهدايا ، ومن حسن حظ زوجي أنني ارتديت عباءة الحيطة قبل أن أتسلم تلك الهدايا المزعومة وإلا كان مصيره مرهون بيد الشيطان.
توالت الأيام وأنا أتحاشى الناس .. وتوسَّد زوجي محبتي في مثواه الأخير ، فصار لزاماً علي خوض غمار الحياة ، لكني لم أفعل شيئا سوى الاختباء تحت عباءة أبنائي .
على نحو غير مألوف قرائياً – نوعا ما – يتكرر العنوان في النص أكثر من مرة ، ويُعتبر هو الثيمة ، والمُهَيمِن على البنية النصية عموماً ..
اشتغلت القاصة على هذا ، وهي تعلم بأنها شبه مجازفة .. فتناولت العباءة كرمز دلالي لأكثر من مثابة ، إلا أنها تصب بحوض واحد .. وهذا الرمز التحجبي المعروف صار ملجأً تخندقت به من راجمات العادات والتقاليد وبعض المفاهيم الرثة .. إلا أنها كانت الملاذ الآمن لصباها .. ثم انتقلت بسلاسة ، وبلا تعقيدات صورية أو توعير لغوي ، إلى عباءة أخرى أدخلتها عالما آخرا ، لايختلف كثيراً عن خندقها الدفاعي الأول ، إلا أنه أكثر انفتاحاً ، ممنية نفسها أن ترى الضوء حتى ولو من كم العباءة التي صارت أبعد منالاً من نيل شهادتها الدراسية .. لتُعلن عن انهزام آخر وانضواء تحت عتمة الإنطواء والتبعية .. ثم ألحقتها بعباءة أخرى ، لترسم مستوى تكوينياً للخوف الذي كانت تشعره من قبل إلا أنها لم تعشه تفصيلياً ، وكانت انعطافة مهمة في رسم مصير موغل بالتبعية والخشية والترقب .. فتأكدت التراكيب هذه إلى تراكيب باعثة إلى الحيطة والحذر من أي شيء ، بحَدَس فطري أدركته شعورياً بعد سيل فيوضات القهر ، والشعور بالاغتراب ، في عالم لايد لها في جرائمه إلا أنها اختارت .. وكان هذا الاختيار متجراً لاستهلاكها نفسياً .. وصارت القيم التعاملية مبنية على ( أنا أخاف .. إذاً أنا موجود ) .. حتى أجهشت أحشاءها بدموع على شكل بشر .. دموع تغسل طرقات الأسى ، فوجدت نفسها تختبئ تحت عباءة أخرى أشد حذراً ، وأكبر مقاساً كي تتسع لمدى واسع .. نخلص من هذا إلى أن القاصة أرادت أن تؤكد على أن العباءة هي سيدة مشهد المرأة العربية في العصر الحجري الحديث .. وأنها ثيمة بقائها خارج خارطة أنياب كونية ، تسمى حياة ..
إذاً كانت جرأتها باختيار هذه المفردة المتعددة الدلالات لتكون ثريا النص ، أول إجراء هجومي تشنه بعد انكسارات متتالية .. ولو تأملنا النص بنائياً لوجدناه ينضوي تحت لواء الواقعية ، المستوفية لكل اشتراطاتها ، إلا أنها تميزت بجعل الصراع بيني ومتشظ من جهة ، وبين رمز صامت من جهة أخرى ، وهذا عمل يستوجب الكثير من التأمل والإعجاب.
أُثَبـِّت هذا النص المبهر .. ولي شرف المرور الأول والتثبيت
العباءة
رمز للعادات والتقاليد
رمز للخوف
رمز للحذر
وأحياناً ررمز للضعف
تبقى الفتاة تحت عباءة الأهل حتى يتم تسليمها الى الزوج لتغيير لون العباءة وربما حجمها فأحياناً نرى هذه العباءة فضفاضة وأحياناً العكس
فبين جوانبها تكمن الكثير من الثوابت والقيم والحدود فعند تخطي واحداً منها قد يحدث ثقب لا يمكن خياطته لتسير الأيام وفق ذلك حتى ولو كان في هذه الحدود من اختناق النفس
أؤكد ما ذهب إليه الأستاذ عمر مصلح في رده من إن العباءة هنا هي (سيدة مشهد المرأة العربية في العصر الحجري الحديث ) مؤطرة باطار الخوف النابع من أرض الواقع لتأدية رسالة لتكون بين عباءة الأبناء وصنعها لعباءة جديدة تدثرهم بها خوفاً عليهم فيتم الاستلام والتلسيم وفق ذلك
وتستمر هذه الرسالة حتى نهاية العمر
متناسين إن المرأة إنسانة ومن حقها أن تحيا بما يليق بها في الحياة
الغالية سولاف نص رائع أعجبني الوقوف عنده للولوج في عمق الصور
على نحو غير مألوف قرائياً – نوعا ما – يتكرر العنوان في النص أكثر من مرة ، ويُعتبر هو الثيمة ، والمُهَيمِن على البنية النصية عموماً ..
اشتغلت القاصة على هذا ، وهي تعلم بأنها شبه مجازفة .. فتناولت العباءة كرمز دلالي لأكثر من مثابة ، إلا أنها تصب بحوض واحد .. وهذا الرمز التحجبي المعروف صار ملجأً تخندقت به من راجمات العادات والتقاليد وبعض المفاهيم الرثة .. إلا أنها كانت الملاذ الآمن لصباها .. ثم انتقلت بسلاسة ، وبلا تعقيدات صورية أو توعير لغوي ، إلى عباءة أخرى أدخلتها عالما آخرا ، لايختلف كثيراً عن خندقها الدفاعي الأول ، إلا أنه أكثر انفتاحاً ، ممنية نفسها أن ترى الضوء حتى ولو من كم العباءة التي صارت أبعد منالاً من نيل شهادتها الدراسية .. لتُعلن عن انهزام آخر وانضواء تحت عتمة الإنطواء والتبعية .. ثم ألحقتها بعباءة أخرى ، لترسم مستوى تكوينياً للخوف الذي كانت تشعره من قبل إلا أنها لم تعشه تفصيلياً ، وكانت انعطافة مهمة في رسم مصير موغل بالتبعية والخشية والترقب .. فتأكدت التراكيب هذه إلى تراكيب باعثة إلى الحيطة والحذر من أي شيء ، بحَدَس فطري أدركته شعورياً بعد سيل فيوضات القهر ، والشعور بالاغتراب ، في عالم لايد لها في جرائمه إلا أنها اختارت .. وكان هذا الاختيار متجراً لاستهلاكها نفسياً .. وصارت القيم التعاملية مبنية على ( أنا أخاف .. إذاً أنا موجود ) .. حتى أجهشت أحشاءها بدموع على شكل بشر .. دموع تغسل طرقات الأسى ، فوجدت نفسها تختبئ تحت عباءة أخرى أشد حذراً ، وأكبر مقاساً كي تتسع لمدى واسع .. نخلص من هذا إلى أن القاصة أرادت أن تؤكد على أن العباءة هي سيدة مشهد المرأة العربية في العصر الحجري الحديث .. وأنها ثيمة بقائها خارج خارطة أنياب كونية ، تسمى حياة ..
إذاً كانت جرأتها باختيار هذه المفردة المتعددة الدلالات لتكون ثريا النص ، أول إجراء هجومي تشنه بعد انكسارات متتالية .. ولو تأملنا النص بنائياً لوجدناه ينضوي تحت لواء الواقعية ، المستوفية لكل اشتراطاتها ، إلا أنها تميزت بجعل الصراع بيني ومتشظ من جهة ، وبين رمز صامت من جهة أخرى ، وهذا عمل يستوجب الكثير من التأمل والإعجاب.
أُثَبـِّت هذا النص المبهر .. ولي شرف المرور الأول والتثبيت
معلمي
أنا من له شرف مرورك الأول
و إني والله أشعر بسعادة لا تضاهيها سعادة
لأنك الضوء الذي يفتك بالعتمة
والقيثارة التي تعزف لواعج النفوس التواقة للبوح الذي يغص بمرارة الخيبة والفقدانات
كما عودتنا أستاذي من خلال قراءاتك المتعددة التي تنبئ عن حالة فريدة من الغوص في عمق العمق لا من خلال الرمز المكتوب في النص وحسب بل من خلال استقراء ارهاصات الكاتب لحظة كتابة النص
أبدعت أستاذي في قراءتك لهذه العباءات وما يتخفى بين طياتها
شكرا لك معلمي
لك ودي وتقديري
قصة بكل ما فيها من واقعية جميلة وتمسني أنا شخصيا ...
فالعباءات التي ارتديتها كثيرة ...ولا زلت
أحدها ضيق حد الأختناق وأحدها ممزق أو ملوث
لم ارتد يوما عباءة فضفاضة لا تظهر مفاتن الجسد وهذا ما يجب
للأسف كل العباءات التي اختيرت من أجلي لم تكن مناسبة
وها أنا لا زلت أتشكل حسب كل عباءة .....
وقماش صبري اهترأ ولم يعد قادر على الاحتمال أكثر
//
تحيتي وتقديري لهذه القصة الرائعة جدا
ولن تنتهي تلك العباءات
حتى تصبح الأنا عباءة من خوف وقلق وترقب
دمت أيا حبيبة
طابت أوقاتك غاليتي
توقفت كثيرا عند تعليقك سنا
وكتبت لك أكثر من رد لكني وفي كل مرة أقوم بحذفه
لم أكن أرغب أن أصيبك بالإحباط وأنت لا ينقصك هذا
كنت أتمنى أن لا أجدك قد ارتديت ما ارتديناه من عباءات
لكن ماذا نفعل الواقع يفرض نفسه ولا جدوى فيما لا جدوى منه
أخيرا أتمنى لك حياة هادئة وهانئة
كما أتمنى لك راحة البال والسكينة من كل قلبي
تحياتي سنا ومحبتي
العباءة
رمز للعادات والتقاليد
رمز للخوف
رمز للحذر
وأحياناً ررمز للضعف
تبقى الفتاة تحت عباءة الأهل حتى يتم تسليمها الى الزوج لتغيير لون العباءة وربما حجمها فأحياناً نرى هذه العباءة فضفاضة وأحياناً العكس
فبين جوانبها تكمن الكثير من الثوابت والقيم والحدود فعند تخطي واحداً منها قد يحدث ثقب لا يمكن خياطته لتسير الأيام وفق ذلك حتى ولو كان في هذه الحدود من اختناق النفس
أؤكد ما ذهب إليه الأستاذ عمر مصلح في رده من إن العباءة هنا هي (سيدة مشهد المرأة العربية في العصر الحجري الحديث ) مؤطرة باطار الخوف النابع من أرض الواقع لتأدية رسالة لتكون بين عباءة الأبناء وصنعها لعباءة جديدة تدثرهم بها خوفاً عليهم فيتم الاستلام والتلسيم وفق ذلك
وتستمر هذه الرسالة حتى نهاية العمر
متناسين إن المرأة إنسانة ومن حقها أن تحيا بما يليق بها في الحياة
الغالية سولاف نص رائع أعجبني الوقوف عنده للولوج في عمق الصور
دمت بخير
محبتي
الأستاذة القديرة عواطف عبد اللطيف
أهلا بهذه الإطلالة الرائعة
راق لي جدا هذا الغوص في عمق النص
كنت رائعة وأنت تنسجين عباءات أخرى
شكرا لك غاليتي
تقديري وودي