تزخر الدول الغربية بالكثير من الشعراء العرب والشاعرات المهاجرات اللواتي أثبتن وجوداً رائعاً على الساحة الأدبية ، وأخص بالذكر الشاعرة المبدعة رفيف الفارس في الولايات المتحدة عراقية الأصل ، بلقيس حسن في هولندا عراقية الأصل ، فرات أسبر في نيوزيلندا سورية الأصل ، عواطف عبد اللطيف في نيوزيلندا أيضاً عراقية الأصل وغيرهن من أمثال التونسية لمياء المقدم المقيمة في هولندا والشاعرة الفلسطينية فاتنه العزة في بلجيكا .
للهجرة والغربة إمتداد من شاعرات رفعن راية الشعر الأصيل وهن الراحلة نازك الملائكة التي توفيت في القاهرة ٢٠٠٧ ، والشاعرة لميعة عباس عمارة المقيمة في الولايات المتحدة .
بدأت الشاعرة عواطف عبد اللطيف بكتابة الشعر المنثور ثم العمودي وشعر القافية ثم الشعر الشعبي ، تطورت لديها أدوات الكتابة والصورة الشعرية ، تنقلت مواضيعها ما بين السياسة والحب والغربة وكان الإغتراب هو مركز الثقل في مواضيعها الشعرية . إن لكل شاعر نقطة إنطلاق أو سبب لهذه النقطة ، وكانت نقطة الإنطلاق في شاعرية هذه المرأة هو مأساة إغتيال زوجها في حادث إرهابي ثم إغترابها وإبتعادها عن الوطن ، ولم تغرق هذه الشاعرة ببحر الحضارة الأوربية بل إستفادت منها وطورت بها شاعريتها . أصدرت الشاعرة عدة دواوين منها :-
– ديوان لقصيدة النثر والخواطر ( أتقاطر منك )
– رسائل ومضات أدبية ( وجهاً لوجه )
– ديوان شعري ( خريف طفلة )
– ديوان شعري ( خلجات العمر )
– ديوان شعري ( سواقي الغياب )
– ومضات أدبية ( همس وردة )
– ديوان شعري ( رفيف النبض )
– رسائل أدبية ( رسائل لم تتنفس )
– ديوان الوفاء ( لشعراء منتديات نبع العواطف الأدبية )
– ديوان في الشعر الشعبي ( قيد الطبع )
لم يعد الشعر المقفى هو السائد في التطبيقات الشعرية لكن الشاعرة أدلت بدلوها في الشعر المقفى من خلال ديوانها ( رفيف النبض ) ، وهو الديوان الذي أضع بعض قصائده تحت القراءة والنقد . وقد تَنقَل هذا الديوان ما بين مواضيع الغربة والحنين إلى الوطن والأحبة .
تقول الشاعرة :
عراقية أنا علمتني الحياة أن يكون رأسي مرفوعاً كالنخلة
أن يكون كحلي مخضباً بمياه دجلة
ثم تقول عن بغداد :
أحن لحضنها الدافي كطفل من حنان الأم لا يشبع
ورغم البعد عنها ظل جذري ضارباً فيها ولم يُقطع
ثم تقول :
لولاك ما كبرت ورود حديقتي
وروت مياهها مهجتي وعروقي
ثم تتحدث الشاعرة عن مشاعر غربتها
بقيت أبحث عن مكان هويتي
فوجدت في قلب الحبيب رجائي
ثم تصف الشاعرة غربتها وصفاً جميلاً ورقيقاً
كإحتباس الماء في قعر آلإناء
وإرتعاش الشمس في عز الشتاء
وإحتراق الشمع في عتم المساء
كان موضوع الغربة موضوعاً واسعاً وعميقاً قد تاه فيه شعراء المهجر وقد صور ذلك شعر السياب في غربته والجواهري في منفاه ، كما صور ذلك شعر الشاعر السوري المغترب أدونيس . لقد تفوق شعراء المهجر بعضهم على بعض وقد ربطوا دائماً موضوع الغربة بالسياسة والحب ، وكان الرابط الأساسي بينهم هو التجربة الحياتية المريرة التي أدت إلى الغربة .
لقد كتب عن الشاعرة بعض الشعراء العراقيون والسوريون والفلسطينيون ومنهم الشاعر سمير عودة عامر هادي ، نزار سرطاوي ، عواد الشقاقي ، بعضهم قد عرفها بشكل شخصي والآخر عرّفهم بها شعرها .
لقد كانت الغربة دائماً بوتقة لصهر الإنتماءات والضمائر البشرية وكثير من شعراء المهجر قد أبدع في الوصف والتعبير عن غربته لكن البعض قد ضاع ما بين حانات باريس وبرلين ولندن .
لقد إستوعبت الشاعرة ( عواطف عبد اللطيف ) الأدب العراقي وإستفادت من أدب البلد المضيف وأضافت إلى تجربتها تجارب حياتية وأدبية جديدة وظهر ذلك واضحاً لديها في قصيدة النثر وخاصة في ديوان ( خريف طفلة ) .
لقد صورت الشاعرة عواطف عبد اللطيف غربتها في معظم قصائد ديوان ( رفيف النبض ) . حيث تقول :
كيف السبيل ومد الشوق يحرقني
أنا البعيدة بعد الروح عن بدني
والصبح يجهلني والودق يغسلني
إن غبت عني إليك الحلم يأخذني
جمر الغياب يزيد النار في وهني
ثم تتحدث الشاعرة بلسان كل النساء العربيات فتقول :
رُسمت حياتي هكذا
أن لا أحب وأنتقي
كُثر المصائب هدني
ليقول لي هيا إغرقي
وفي البعد كتبت الشاعرة عواطف :
لمن يمضي لدرب البعد عمدا
تخلا عن التوسل والحلول
ولا تحزن على ماكان منه
ولا تأمن بقربك للملول
ثم تقول :
ما عاد للأمل الجميل مقام
بشريط عمر كله آلام
وأخيراً تذكرنا الشاعرة عواطف عبد اللطيف بحقيقتين إتسمت بهما حياتها وهي حقيقة البعد والإنتماء ، فتقول :
وغدا عبق إشتياقي في بعادي
راسماً بالحرف معنى الإنتماء
فقد إتسم الشعر المقفى لدى الشاعرة ببعض المباشرة ولكن مع شفافية واضحة ، بعكس قصائد النثر والتي إتسمت لديها بعمق الصورة الشعرية والتألق في الرؤيا ، وهذا ما إتسمت به معظم دواوين الشاعرة ، لكن الهدف الشعري في ديوانها الذي طرحناه للنقاش وهو ( رفيف النبض ) قد وصل إلى القاريء من خلال سلاسة الفكرة والحرف وهذا ما أظنه كافياً لوضع الشاعرة ( عواطف عبد اللطيف ) في مصاف شاعرات المهجر المتميزات .
شكرا للدكتورة ناهد محمد علي على افرادها هذا المقال الصادر في المجلة الثقافية الجزائرية للخوض في شعر السيدة عواطف عبد اللطيف الشاعرة العراقية التي تعدّ الغربة والتّحنان لوطنها خطّا أصيلا في قصائدها وملحما واضحا في كتاباتها .
والمتأمّل في قصائد شاعرتنا الفذّة يلاحظ صدقه وقوّته لأنّه صادر عن معايشة حيّة للغربة وأثرها على نفسها المرهفة..ولما تردّد من أصداء في اعماقها ووجدانها ..
وقد لاحظت شخصيّا في منجزها الكتابي طغيان الهويّة التي لم تطمسها غربة وبعدجذوتها . فهي في كل قصائدها حاملة لراية الوطن وقضاياه ..بينه وبينه وشائج لا تتلاشى
شعرها ذاكرة ووفاء وتحنان وأمل في العودة الى وطنها وقد أثرت فعلا منجز الشعر الحديث في مجال الإغتراب والبعد عن الوطن وأضافت له رصيدا هائلازاخرا عميقا بأرقى وأنبل الأحاسيس تجاه الوطن القضيّة
وكم أجد الشغف يسكنني شخصيا على تواضع قدراتي أن أغوص في منجزاتها وقصائدها وأتناولها بالتّمعّن والدّرس وأكشف عن خباياها النفيسة المتعلقة بشاعرة عاشت الغربة والإبتعاد عن الوطن بعد أن اغتالوا المغفور له الشهيد زوجها رحمه اللّه أمام عينيها
فهذه الشاعرة تغمس ريشة الخرف في وجعها والمها ومعاناتها لتكتب لنا شعرا
شكرا لهذا المقال الذي اهتمّ بانجازها وتبقى دوما السيدة عواطف عبد اللطيف الشاعرة التي تستحق مزيدا من تسليط الضوء على حياتها الإبداعية المتأصلة ..
تقول السيدة عواطف في احدى قصالئدها وهي من أجمل ما قرأت
لم أكن انوي الرحيل
أرادوا لي ذلك
هاجرت بجسدي
صفعة قوية
شلت يدي
اغتالت عُمري
الساعات تئن
الأيام لا تنام
الفصول تتعرى
التواريخ محطات منسية
تُركت على رفوف السنين
يُغطيها الظلام
؛
قرأت كثيرا للدكتورة ناهدة
ولم أتفاجأ حين كتبت عن الغالية عواطف لانها من النساء اللواتي تحبذ الحديث عنهن و الجديرة بقلم الدكتورة
وقد قالت في ئلك:"تساءل الكثير من الأصدقاء عن سبب كتابتي عن الشخصيات النسائية المتفردة والعراقية منها خاصة , قلت ومن يُنصف المرأة العراقية المبدعة أكثر من المرأة العراقية , فلقد ظلمها وأهملها الجهل السياسي والثقافي وحاول تحجيمها وتحسيسها بهامشيتها , لكني أرى ويرى الكثيرون من المثقفين العرب إن المرأة العراقية قد أعطت الكثير من الزخم العلمي والإبداعي , وقد أنتج العراق الكثير من المبدعين فهو من أنتج الجواهري وأنتج عبد الجبار عبد الله وأنتج علي الوردي وجواد سليم ونزيهة سليم وأنتج ايضاً زهاء حديد وغيرها من المبدعين والمبدعات "
قراءة واعية ومعمقة من الدكتورة ناهدة محمد علي لأعمال الأديبة والشاعرة
عواطف عبد اللطيف والتنويه برصيدها الأدبي الذي كتب خارج الوطن بأرض
الغربة .
وتعتبر الأستاذة عواطف عبد اللطيف ممن تركوا بصماتهم الأدبية في نقل
تجربتهم وتغذيتها بالواقع الجديد مثلها مثل الكثيرات من أبناء وبنات العراق
أحيي الأستاذة عواطف على كل ما تقدمه من ابداع الذي يبقى ابداعا سواء
كان ميلاده بالوطن أوخارجه والشكر موصول لصاحبة المقال التي كشفت
عن قامة عراقية تستحق كل التقدير .
ودمتم في حفظ الله
التوقيع
لا يكفي أن تكون في النور لكي ترى بل ينبغي أن يكون في النور ما تراه