اعتادت عزف مقطوعة المينور تلك كل صباحٍ على كمَانِها البنِّيِّ الرَّخيم! ماست كؤوسُ الياسمينِ طرباً له! فاندلقَ النَّدى من ثغرِها العذبِ رقراقاً طيِّبا... شاركتها النارنجةُ الرَّتمَ الشَّجيَّ، بحفيفِ أوراقِها اليانعةِ المتجدِّدةِ برونقٍ أخَّاذ... حتَّى كادت هرَّةُ البيتِ المجنونةِ تقعُ عن أغصانها الميَّالةِ بحنينٍ طروب! والماءُ المتدفِّقُ في بركةِ أرضِ الدَّارِ، تماوجَ مغنِّياً بإيقاعٍ هفيف... ** عندما تتذكَّرُ الجدرانُ تلك الأجواءَ، تبكي بحرقةِ الطَّللِ المنسيِّ كأنَّها! يعمُّها خريفُ الشُّعورِ... كما يجثمُ بثقلهِ الفتَّاكِ أروقةَ المنزلِ كلِّه... أروقةَ الحياةِ... الفضاء... الكونِ... كلِّ شيء... كلِّ شيء...... ** اليباسُ -هذا العام- اجتاحَ غُصيناتِ الياسمينة الدِّمشقيَّةِ بشكلٍ لافت! لعلَّ يخضورَهُ أصيبَ بأعراضي أنا! فماعادَ قادراً على بثِّ اليناعِ في شرايينِ أنساغهِ! كما خلايايَ... ** عندما ينحسرُ وطءُ القريرةِ عن ظلالِ الياسمينِ، ويتفعَّلُ جزرُ الأنينِ، كاشِفاً عن الرُّؤى تصبُّراً مصطنعاً ما؛ تضمحلُّ بداهةُ أفكاري، فتخذلُني في إيجادِ مساربَ هروبٍ مقنعةٍ لوجداني... أقفُ على بوابةِ الهذيانِ -كما دائماً- بقدمينِ كسيحتين، أنظرُ وراءَ ظلِّي -الذي لا أراهُ يعكسُني- مستغرباً قلِقا! أسألُني: أين أنا الآن؟ الصَّدى لا يُجيبُ عادةً! كأنَّهُ ابتلعهُ بع بعُ الصَّمتِ الكامنُ في أعماقي... أغلقُ البوَّابةَ بمغلاقِ التَّأمُّلِ السَّحيقِ في أحاسيسي، وأرنِّمُ مجدَّداً لحنها العذبَ ذاكَ، محاولاً مدَّ القريرةِ على خلجاتِ نفسي، إكسيراً تزاولهُ روحي على شفا أمنيَّةٍ من سراب...