آخر 10 مشاركات
صباحيات / مسائيـات من القلب (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )           »          تأملات فى الآيات (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )           »          النصح فى الإسلام (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )           »          ماندليف _ العالم الروس (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )           »          ليـــــــــت لي \\كريم سمعون .. (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )           »          بين قوسين( ....) (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )           »          سجل دخولك بنطق الشهادتين (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )           »          ماندليف _ العالم الروسى (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )           »          حلمي الوردي (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )           »          هلوساتُ نبْضٍ .. ممنوع دخول العقلاء !! (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )



العودة   منتديات نبع العواطف الأدبية > نبع الأدب العربي والفكر النقدي > السرد > القصة القصيرة , الرواية,المسرحية .الحكاية

الملاحظات

الإهداءات
دوريس سمعان من باقة امتنان : استاذي الفاضل عصام أحمد ******** اخي الغالي كريم ******** مباركة أيامكما بأنوار القيامة دوما ******** باقات امتنان ومحبة أنثرها بدروبكما وكل عيد والجميع بخير وسلام عبد الكريم سمعون من Happy Easter : قيامة مجيدة ********المسيح قام ********حقا قام ********كل عام وانتم بألف خير ********ونخصّ بالذكر الغالية دوريس سمعان وأسرتها الكريمة ****

 
 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 09-08-2011, 11:49 AM   رقم المشاركة : 1
نبع فضي
 
الصورة الرمزية رياض محمد سليم حلايقه





  النقاط : 10
  المستوى :
  الحالة :رياض محمد سليم حلايقه غير متواجد حالياً
اخر مواضيعي
قـائـمـة الأوسـمـة
افتراضي رواية رجل من الماضي/ رياض حلايقه

كان يرتعد خائفا كعصفور بين يدي هرة جائعه عندما ألقي القبض عليه في حديقة صغيرة وسط المدينة. كان يعتقد أن ثمة أشرارًا احتلوا قريته الصغيرة التي تركها قبل شهور عندما ذهب في رحلة طويلة للعمل مع الفارس ذي الحصان الأسود، برفقة تسعة عشر رجلا من أصدقائه، ثم اختفى بصورة غريبة، وعندما عاد إليها وحيدا لم يجد أثرا لقريته ,لم يجد أحدا من أهل القرية , ولم يجد أحدا من أفراد عائلته .
وجد مدينة كبيرة خيالية تجوبها السيارات، وفي أجوائها تحوم الطائرات، في حين اختفت الخيول والعربات التي كانت الوسيلة الوحيدة للتنقل .
ما اسمك؟ سأله المحقق .
جو مارتن ويلسون. أجاب الرجل .
عمرك ؟ سأله المحقق .
لم يجب الرجل. و بقي صامتا .
ألم تسمع السؤال ؟ كم عمرك ؟.
نظر الرجل للمحقق نظرة عدائية مشوبة بالخوف والحذر .
خمسة وأربعون عاما .
لا يبدو عليك ذلك، لماذا تكذب ؟.
إنها الحقيقة يا سيدي .
ولدت قبل الحرب الأهلية بأربعين عاما؛ أي عام 1736 , نظر الرجل إلى التقويم الذي أمامه على المكتب وعندما قرأه 15/6/1995م .
انتابه شعور بالغرور واعتقد أن الرجل الذي أمامه مجنون، أو ربما يكون صيدا ثمينا .
من أين أنت؟ مكان إقامتك الحالي؟
احتار الرجل بماذا يجيب، فقريته التي غادرها قبل شهور قليلة ـ كما كان يعتقد ـ لم يعد لها وجود ......



جو مارتن ويلسون شخصيةٍ مشهورة، ولد عام 1786م في مدينةِ هدسن فعمل فيها كل ما يعرض عليه وهو في العاشرةِ من العمر ولم يتعلم قط لسوء حالةِ والده الماديةِ المدقعه جداً، ثم انتقل إلى مدينةِ جيرسي هرباً من معاملةِ والده المتحيزةِ والسيئةِ بمساعدةِ صديق له يدعى ديفد كلارك.
عمل في جيرسي موزعا للجرائد، ثم انتقل إلى مدينةِ برانس هياماً وحباً في ليزا التي تزوجها هناك وعمل في مصنعٍ للنسيج مع زوجته ثم انتقل إلى مدينةِ موندا هرباً من والد زوجته الذي لم يبارك ذلك الزواج ولم يوافق عليه وهدد بقتله وتطليقه من ابنته.
اشتهرجوكثيراً ولمع اسمه وأحّبه كل من تعامل معه، كونه إنساناً بسيطاً ومحباً للجميع ، وكان يظن دائماً أنه مقصر مع الآخرين يتذكّرُ مقولة والده الشهيرة التي كان ينعته بها باستمرار ويرددها على مسامعه – أنت ساذج وأبله يا جو- وبقي كذلك إلى أن تزوج فتاةً من أسرةٍ مرموقةً بطريقة غريبة، وقد أثرت هذه الفتاة تأثيرًا عميقا في حياته وشخصيته، فقد جعلت منه رب أسرة تفتخر به وتحبه.

مدينة هدسن 1796م
عاش جو ويلسون مع أخيه الأصغر والمدلل جون وأخته الوسطى جوليت لأبوين فقيرين معدمين في منزل يدل على البؤس والحرمان؛ يتكون من غرفتين حقيرتين خاليتين من أبسط الضروريات، فيهما صناديق خشبية قديمة تستخدم خزائن لملابسهم الباليةَ وبضع بسطٍ للنوم وعدةَ أغطيةٍ مهترئه وبعض أواني المطبخَ الكالحةَ .
كان والده مارتن ويلسون يعمل نجاراً في محل متواضع في أحد أزقة البلدة بأجرة زهيدة بالكاد تكفي لقمة العيش. وهو رجل ضعيف البنيه متوسط الطول، أصفر البشره , رقيق اليدين، عيناه عسليتان، وأنفه دقيق، له لحية ذات شعر خفيف. وقد عرف بسلاطة لسانه .
أمه متوسطة الطول، شعرها أشقر مائل إلى الحمرة، عيناها عسليتان لوزيتان، وأنفها جميل ,
ورث جو طيبة أمه وشكل أبيه، في حينورثت جوليت جمال وطيبة أمها .

أحبّ جو أباه وأسرته وآلمته حالة والده الصحيةِ والنفسيةِ، إذ كثيراً ما كان يتعرض للإهانةِ من صاحب العمل على مرأى من الكثيرين، فيشتم، ويلعن، وينهر، بل كان صاحب العمل يضربه أحيانا. تلك الحالة التي كان الأب يتعرض لها من أجل تحصيل لقمةِ العيش لأسرته جعلت من جو كوحش في قفص يتقد صدره غيظاً وبداخله دار صراع عنيف حول مثاله الأعلى الذي اهتز أمام عينيه مرات ومرات إذ مثل أمام عينيه ذليلا خانعا لأوامر سيده صاحب العمل، مما حدا به يوماً إلى الخروج من البيت مبكراً هائماً على وجهه في شوارع البلدةِ على غير هدى يرا قب الناس وأحوالهم ويرى عجباً من سادةٍ ظلمةٍ قساه وفقراء بائسين , فيلعن الحياةً وقسوتها ويلعن أغنياء البلدةِ البلهاء ذوي القلوب القاسيه .
ذات مساء التقى جو ببعض الصبية من أقرانه يتسكعون في شوارع البلدة قرب الحي الذي يسكن فيه ولكنهم كانوا يلبسون أفضل منه ، ولديهم بعض النقود التي لم يلمسها يوماً بيده ، وعندما سألهم عن حالهم وجد أنهم من عائلات فقيرة مثله تماماً إلا أنهم يعملون في أسواق البلدة أعمالاً مختلفة كالعتالة والتنظيف لقاء بضع بنسات .
عندما فاق جو من حلم الطفولة وأصبح صبياً يعي ما يدور حوله ثار ضد حياة الفقر التي يعيشها مع عائلته، وأخذ يفكر في رفع مستوى حياتهم ومساعدة والده المسكين الذي أعياه المرض في وقت زادت معه تكاليف الحياة.
طلب جو من الفتيه أن يقبلوه رفيقاً لهم يشاركهم حياتهم، ويتعلم منهم كي يستطيع مساعدة والده، ذلك الأمر الذي رحب به الجميع .
في صباح اليوم التالي وفي الموعد المتفق عليه وفي المكان المحدد التقى جو أصدقاءه الجدد ورافقهم ذلك اليوم ليتعلم منهم ويساعدهم، وما هي إلا أيامٌ قليلة حتى استقل جو عن رفاقه لما رأى منهم معاملة سيئة للفقراء والمساكين وكبار السن، وأخذ يعتمد على نفسه ولكنه اتبع سياسة تختلف عن غيره فكان يقبل أي عمل يعرض عليه، ويرضى بأي أجر يدفع له وكان يعمل في بعض الأحيان مجاناً عندما يرى الفقراء على شاكلة والديه فيساعدهم ويشفق عليهم .
أحبه الجميع لإيثاره وحبه مساعدة غيره، فكان الناس يأخذونه من بين الصبية الآخرين حتى أنه كان يقضي يومه كله في العمل دون انقطاع وذلك لإخلاصه وأمانته .
كان جو ينسى الشقاء والتعب في كل مساء عندما يعود إلى بيته ويضع تلك البنسات القليلة التي يحصل عليها في يد والده وهو يرى آثار السعادة والابتسامة على وجه أبيه وأمه، ولكنه سرعان ما يقبع في زاوية البيت كعادته في كل مساء حزيناً كئيباً وغريباً بين عائلته شاعراً بالألم والحزن والتعاسة .
الأب يداعب جون بشغف ومحبه :
عزيزي جون , يا لك من ولد طيب , سيكون لك مستقبل رائع يا بني .
قالت الأم وهي تحتضن جون: ما أجملك وما أروعك! ستكون لنا عونا وسندا، سترفع رؤوسنا بين الناس وسنفتخر بك يا بني .
جو يسمع ويتألم، جوليت تنظر بشفقة إلى جو وتتمنى أن يكف والداها عن تدليل جون .
تهمس في أذن أمها :
أمي أرجوك، لا تبالغي في تدليل جون، تحدثي مع جو مرة بطيبة قلب، فهو يشقى ويتعب من أجلنا جميعا، يسمع الأب كلام ابنته :
جوليت عزيزتي، لا أحد يعترف بجو، الجميع ينادون علي بجون، بل يسخرون مني بسببه، بالأمس عندما جاء إلي جو، المعلم نهرني وعنفني وكاد أن يضربني عندما علم بأن جو ابني، إنه عار علينا جميعا، انظري إليه، إنه أشبه بحيوان، فلتأخذه الآلهه بعيدا عنا، إنه لعنة علينا، إنه سبب ما نحن فيه من الفقر والعذاب، صدقيني بنيه منذ ولد هذا الأبله ونحن في فقر شديد ومرض مؤلم .
جوليت : إنه منا وله علينا المحبة والاحترام، إنه يكد ويشقى طوال اليوم ليساعدنا، فقط منذ أن عمل جو بدأنا نشتري أشياء لم نكن نستطيع أن نشتريها من قبل، علينا أن نقدر ذلك والدي .
الأب : أنت لا تفهمين بنيه إنه، إنه يخفي المال عنا ولا يعطينا إلا القليل، لن أسامحه على ذلك أبدا .
هكذا يعيش جو بين أسرته وهكذا يمضي ليلته وحياته، لقد تسبب له والداه بحالة نفسية حزينه ومؤلمه وصعبه , لكنه كان يحبهم ويحترمهم ويحب أخته كثيرا فقد كانت دوما تدافع عنه وتشعره بحبها .
كان والداه يعطفان على أخيه الأصغر جون كثيراً ، وكان جون الطفل المدلل في العائلة له كل الحب والحنان وطلباته مجابة، ولكن جو تعوّدَ على تلك المعاملة غير العادلة إلا أنه كان يأمل أن تتغير المعادلة بعدما أصبح عاملاً يساعد في مصروف العائلة وبعد أن جلب لها شيئاً من الرفاهية على غير العادة أو حتى أن يعامل بشيء من الحب والحنان، ولكنه بقي منسياً كالعادة .
ذات يوم عاد جو من العمل مبكرا على غير العادة، كان خائفا يرتعد كعصفور بلله القطر، دخل البيت وأغلق الباب خلفه، كان يتمتم بكلام غير مفهوم، أسعفته أخته بكوب من الماء، رمى بنفسه بأحضان أمه ونظره إلى الباب قائلا:
المسلحون يطلقون النار في كل مكان، أمسكو بصديق لي وأخذوه معهم، كاد أحدهم أن يمسك بي، لكنني أفلتّ منه وهربت، قتلوا الكثير من الناس في السوق، نهبوا المحلات، سرقوا كل شيء... كل شيء.
قالت الأم : لا عليك بني أنت الآن بآمان ولا أحد يصل اليك , اللعنة عليهم هؤلاء الأشرار , ليس لهم عمل إلا القتل والنهب , أين الشريف ورجاله , أين القانون .
قالت الأخت : لعلهم شركاء لهم لذلك لا يظهرون إلا بعد فوات الآوان , حمدا لله على سلامتك أخي جو .
كان المسلحون الفارون من القانون يعيثون في الأرض الفساد هنا وهناك، تلك الحادثة أدخلت الخوف في نفس جو، كان يهرب حتى عندما كان يرى الجند الذين يحافظون على الأمن والقانون، وكان يعمل في السوق بحذر وخوف ويجد في البيت نفسه منبوذا من الأب والأم، حياة اعتادها جو وعاشها بمرارة .


اعتادت العائلة كل مساء الجلوس والحديث، وكان محور الحديث دائماً جون ونظرات المحبة والدلال تنصب عليه، فيما كان جو وحيداً واضعاً رأسه بين ركبتيه حتى يغشاه النعاس فيخلد في نوم عميق من التعب والشقاء، ولم يفق من نومه إلا في الصباح الباكر على صراخ أبيه الذي يطلب منه الذهاب إلى العمل .
يستيقظ جو كل صباح مبكراً فيرتدي ملابس العمل الرثة ويتناول الطعام اليسير مع والده ونظرات عينيه الحزينة ترقب أخاه جون وهو يغط في نوم عميق في فراش دافئ وهو يراقب قبلات والده التي تودعه كل صباح قبل خروجه للعمل ، فيما كان ينتظر جو يوماً آخر من الشقاء والتعب في ظل ظروف الشتاء القاسية والأمطار الغزيرة والبرد القارس .
كان يفكر: كيف سيعود آخر النهار تقطر ثيابه ماءً وهو يرتعد من البرد في حين يرى والده يحتضن جون بشغف ومحبة أمام المنزل لدى عودته من العمل كل مساء؟
هل يتقبل الأمر فحسب ؟ أم عليه أن يدافع عن نفسه ليجد له مكان في قلب والده وبين أسرته , متى سيشعر بأن له قيمة في البيت ؟
لكنه كان يقول في كل مرة هذا والدي لا أستطيع أن أتحدث في حضرته , علي أن أعتاد على ذلك .
كان جو بسيطاً ساذجاً ذا رأس كبير وعينين واسعتين وجبين ضيق وحواجب عريضة يميل إلى السمرة نحيفاً طويلاً سريع اللفظ تفكيره محدود، وهو مع كل ذلك متواضع وخدوم .
تمضي الأيام والشهور وجو يدور في نفس الحلقة من البيت إلى السوق ومن الشقاء إلى الألم الذي كان يدق قلبه كل مساء عندما تجتمع العائلة ويقبع هو في زاوية الغرفة يرقب ويتأمل ويحلم في عمل أفضل، بل كان يتمنى لو يستطيع الهروب من هذه العائلة بل البلدة كلها إلى إي مكان ، ليتخلص من معاناته التي يسببها له والداه بإهماله الشديد واحتضان أخيه جون حتى أصبح أنانياً، وجشعاً، ومتعجرفا، حتى أن والده أرسله إلى المدرسة ليتعلم فكان يحصل على كل شيء دون أن يقدم أي شيء .
ديفيد كلارك ذلك الصديق الوفي الأكثر قربا لجو كان يمضي معه أوقات فراغه، وما أقلها !
ديفيد من أسرة متوسطة الحال يعيش حياة الأغنياء فهو وحيد والديه فكان يرتدي أفضل الملابس ويأكل أفضل الأطعمة، وكان والده موظفاً هاماً في شركة لإنتاج الفحم وقد طلبت الشركة منه مؤخراً الانتقال إلى مدينة (جيرسي) ليستلم عمله الجديد بعد أن تلقى ترقية هامة، فرحل إليها مع عائلته ولكن ديفيد لم ينسَ صديقه جو وبقي يبحث له عن عمل كما وعده حتى يكون قريباً منه .
كان حلم جو الابتعاد عن البلدة يوماً ما، وكان يعلم أن والده لن يسمح له بذلك لأسباب كثيرة منها خوفه من فقدان تلك البنسات التي يقبضها منه كل مساء .
في صبيحة ذلك اليوم , تذكر جو صديقه ديفد , وتذكر اللقاء الأخير بينهم عندما مر من أمام منزلهم وشاهد الساحة التي جلسا فيها , كان يترائى له خيال ديفيد وهو يحدثه.
قال ديفد: لا تحزن يا جو , لم أنساك أبد , سأبحث لك عن عمل وسأرسل لك رسالة , أن أعلم أنك تتألم , تريد الإبتعاد عن عائلتك , أعلم أنهم يسببون لك الأذى , أريد منك أن تكون سعيدا وهذا واجبي .
قال جو : لن أنسى لك ذلك عزيزي , سأكون ممتنا لك طول حياتي , الأمر أكثر من أن أحتمله من والدي , أنهم يدمروني كل ليلة , أنام وأنا أحترق ألما , أفيق وأنا أرتعد خوفا من والدي الذي يلكزني بقدمه كل صباح , أعيش يومي خائفا من العصابات والرصاص .
لحظة مرت كالحلم , تنفس الصعداء عندا تذكر أن ديفيد لن ينساه , واصل العمل على أنغام ذلك العهد .
في أحد الأيام وصلت رسالة من ديفيد يطلب فيها من جو اللحاق به بعد أن حصل على عمل له بأجرة جيدة ، كان جو سعيداً بتلك الرسالة التي ستحقق له حلماً طالما راوده ليبتعد عن البيت وذكرياته الحزينة ، والمؤلمة مع عائلته ، وكانت تلك الرسالة تحوي عنوان ديفيد والموعد الذي سينتظره فيه في محطة القطار كما أخبره صديق له قرأ تلك الرسالةِ له .
صديق جو يقرأ الرسالة :
عزيزي جو وجدت لك عملا، عليك القدوم فورا أنا بانتظارك , سأنتظرك بعد ثلاثة أيام في المحطة , ديفد كلارك .
كان فرح جو كبيرا وسعادته لا حدود لها , ألقى السلة عن ظهره , رقص وغنى وكأن الدنيا أصبحت ملك يديه وأن حلمه الأكبر قد تحقق .
قال جو : هاك السلة صديقي إنها لك , ولن أنسى حياتي بينكم فقد تعلمت منكم الكثير , أريد منك أن تكتب رسالة لوالدي , لن أخبره برحيلي خوفا من أن يمنعني من السفر , وأرجوك لا تخبر أحدا ريثما أغادر البلدة ـ ثم احتظنه بين ذراعيه وودعه وعاد إلى منزله مساءا .
قال في رسالة مختصرة موجهة لوالده :
"والدي العزيز أحبكم جميعاً ولن أنساكم أبداً وأنا مسافر إلى بلدة (جيرسي) للعمل هناك سأرسل لكم ما أستطيع من النقود لأنكم بحاجة لها أكثر مني .
التوقيع: ابنكم جو"
ترك جو الرسالة في البيت وغادر البلدة مبكراً، لكنه كان قلقاً جداً، فهذه هي المرة الأولى التي يبتعد فيها عن أسرته ووالديه، وهي المرةّ الأولى التي يسافر فيها خارج البلدة ويستقل فيها القطار، وكان يخشى ألا يجد ديفيد بانتظاره كما خشي أنه يواجه مشكلة في العثور على منزله .
أفاق والد جو مبكراً كعادته، لكنه لم يجد جو في فراشه، جال بعينيه حتى وقعت على الرسالة الموجودة في موقع ظاهر للعيان في زاوية البيت….نظر إليها، وأخذ يتأملها وقد بدا عليه القلق ….كان منظرها يوحي له بشيء غير طبيعي ….إنه يعلم أن جو لا يعرف الكتابة والقراءة….لكنه كان خائفاً ….التقط الرسالة وأخذ يتفحصها ثم نظر إلى جون ….
كان يغط في نوم عميق فموعد المدرسة لا زال بعيداً ولكنه كان حائراً وخائفاً، فاضطر لإيقاظ جون من منامه ليقرأ له الكلمات الغامضة في تلك الرسالة الرهيبة .أخذ جون يقرأ رسالة جو….
كانت دموع والدته وأخته جوليت تنهمر ولكن الأب كان غاضباً وأخذ يتمتم، ثم ارتفع صوته وتكلّم بكلام غير مفهوم، لكن الغضب سيطر عليه فترك البيت مسرعاً إلى وسط البلدة حيث العربات المتجهة إلى البلدات المجاورة .
كانت الساحة فارغة، لقد غادرت العربات قبل وصوله بفترة طويلة، جلس على الأرض وهو يتأمل المارة وكان يأمل لو أنه يستطيع إعادة الزمن إلى الوراء قبل أن تنطلق تلك العربة ويخرج منه ابنه ودموع عينيه الغزيرة تتساقط على الأرض ….
كانت يداه تمسكان برأسه وتشدان عليه بقوه وعنف وكان الألم يعصف بذراعيه وكتفيه ورأسه أيضاً، كانت الشمس قد بزغت ونشرت أشعتها في كل مكان وقد تسمر مكانه كتمثال ونسي أن موعد العمل قد حان .
لقد أيقن أنّ جو غادر إلى الأبد وأنه لن يعود وكان يتمنى لو تعود عقارب الساعة للوراء ليضم إليه جو بحب وحنان ويعوضه عن قساوة قلبه وإهماله له لأنه تأكد أن جو قد هرب من معاملته له وأنه فقده إلى الأبد .
مر وقت طويلٌ وهو يعاني تأنيب الضمير بينما كان جالساً على إليته رافعاً ركبتيه ككنغرٍ يراقب أعداءه، ويداه ما زالت تقبض بقوةٍ برأسه، كان وقتاً عصيباً، كان يخيل إليه بينما هو مجهشٌ بالبكاءِ أن ابنه هرب من قسوته عليه وإهماله له، وقد صارح نفسه بحقيقة تفريغ الضغط الذي كان يواجهه من رب العمل في ابنه الذي كان يعامله كعبدٍ أو حيوان لا يأبه له إلا عندما يأخذ منه ما حصل عليه من بنساتٍ لقاء شقاء ساعاتٍ , كان يقسى عليه في الكلام البذيء والنعت الذليل وعندما تذكر خنوع ابنه له دون أن يجيب عليه أو النظر في عينيه يتمزقُ ألماً وحزناً وهو ذليلٌ يقبع في زاويةِ البيت حتى يغلب عليه النعاس .
تذكر ساعات الصباح الباكر في الشتاء القاسي حين كان يركله بقدمه لينهض إلى العمل وينهره بشده وينعته بالأبله , تذكر عندما كان ينسل من الفراش ويذهب دون إفطارٍ إلى مصيره المتعب كأنه كان يريد الخلاص منه فيزداد في النحيب ويزداد الألم في صدره .
يلملم والد جو نفسه ويجر جسمه المنهك عائداً إلى بيته كئيباً حزيناً وقد غابت عيناه تحت هول الدموع الحارقه كمريض محموم، عندما رأته زوجته بتلك الحالةِ التي تضمر الشقاء والألم بدا عليها أنها أكثر شقاءً منه؛ لقد عاد وحيداً دون ابنه، فكرت الزوجةُ:
لو أنها استسلمت لليأس لما إستطاعت أن تتغلب على قسوةِ الحياةِ , كانت تنتحب ببطء جانب زوجها، تشجعت قليلاً واقتربت منه ووضعت راحةًَ يدها على رأسه تمسده برفق وقالت له :
لا شيء يمكن أن يحدث لجو، أنا أعرف ذلك إنه ولدٌ طيبٌ وشجاع وسوف يتدبر أمره .
قال والد جو بصوت مخنوقٍ :
لقد قسونا عليه كثيراً، لم نشعره يوماً بأنه ابننا، لم نعطه حقه من الحنان والحب , لقد كنا السبب في هربه , كانت جوليت عى حق , لم نسمع لها , لم نأخذ بنصيحتها , كانت تشعر به أكثرمن وكأنها تعلم مصيره , يا للمسكين , كيف سيتدبر أمره في هذا الطقس البارد،أين سينام؟
ماذا سيأكل؟
كيف سيعيش؟
لن أغفر لنفسي ذلك ما حييت ...ابداً ....أبداً .
العربة تسير مسرعة وصوت عجلاتها الحديديةِ تهز المكان وهي تسير بين التلال والسهول ، والركاب في هرج وضحك ، وفرح ومرح، سيطرت أصواتهم على المكان كله بينما يجلس جو على كرسيه كئيباً كعادته وهو يفكر في اللحظات القادمة؛ أخذ يلوم نفسه على ترك منزله وعائلته بتلك الطريقة , أيقن أنه تسرع في التصرف , لكن لا مجال للعودة بعد الآن , كان هو في دوامة كبيرة حتى كأنه لم يكن موجوداً مع الآخرين في العربة وإن كان جسده ملقى في العربة كحقيبة ملابس .




يتبــــــــع





ي






آخر تعديل شاكر السلمان يوم 09-08-2011 في 12:41 PM.
  رد مع اقتباس
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
بين الماضي والآتي ... تواتيت نصرالدين الشعر العمودي 31 10-18-2018 07:03 PM
رياض النور كُليزار أنور القصة القصيرة , الرواية,المسرحية .الحكاية 9 04-21-2012 01:39 PM
رياض الهدى العربي حاج صحراوي الشعر العمودي 4 04-27-2011 03:01 PM
رعشة الماضي... بلعباس غزول الشعر العمودي 7 10-02-2010 07:10 PM


الساعة الآن 12:45 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.9 Beta 3
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.
:: توب لاين لخدمات المواقع ::