أزمان يفاعتك وفتوتي/رسائل الى أخي/الرسالة الأولى
كان ذلك في أيام كنت أردد فيها مع نفسي بيتا من شعر طرفة بن العبد : اذا القوم قالو من فتى خلت أنني فلم أكسل ولم أتبلدي . حين كنت فتى في ريعان الشباب وكنت غلاما يافعا يا أخي .ولقد كنت أنظر اليك يومئذ وكأنك غلام مسخر لخدمتي تأتمر بأوامري وتنتهي بنواهيي . وينحصر جل سعيك في الترفيه عني وتنفيذ رغائبي في قيامي وقعودي في كنف الدار وفي أزمان الطفولة.أجل لقد كنت بمثابة غلام لي حينما كانت الوالدة والأخوات لا تستجبن لنوازعي في اعداد قارورة شاي أو لا تلبين طلبي في طبخ طبق جانبي صغير.
ولو رجعنا إلى مذاهب علوم النفس الحديثة نلتمس تفسيرا لخلقك الدمث في دماثة الأكسير الإلهي حيالي لوجدنا من التفسير ما مفاده أن الطفل الذي يقف في وسط الهرم السني لبقية المجرة للأطفال ينزع الى أن يكون في طبع الدبلوماسي أي ماسي في التكييف والمرونة في تلبية دواعي ممحيطه العائلي . ولقد كنت حقا تقف موقفا وسطا على الهرم من حيث سن أطفال المجرة العائلية . ولذا يتوزع نفس المرء بين الشك واليقين في تصديق أو تكذيب هرطقة علماء النفس .
ربما لا يعلو هذا التفسير غبار ولا يتطرق اليه شريان من الشك . رغم انني كنت أنزع يومئذ الى تفسير غير هذا التفسير . وكنت ممن يرى أن الدماثة سحابة بخور في صحن نفسك . عود مصلوب في طبعك لا بل كنت أرى الدماثة في طبعك منقوشا و مفروشا. وله على جذعك عروشا. كالخروف كيفما مال وتقلب مال وتقلب على صوف .
وأكثر من ذلك لقد كنت في وضع عقلي شفيف ورهيف . كنت سريعا في رؤية علات الأمور ومسبباتها . وبدت هذه الشفافية العقلية تظهر للعيان , أكثر فاكثر, ورويدا رويدا, وأنت تقطع مفازة الدراسة من طور الى طور أكثر تقدما من سابقه . وكنت تأتي بتعاليل علمية لظواهر كانت تنطلي على حواسي رغم أنك كنت بمثابة غلام يافع لي وأنا في مقام الآمر الناهي لك .