يا شِعرُ قَد أَشقَيتَنِي
و ظَمِئتُ ـ يَا مَا قَد ظَمِئتُ ـ فَلَم تَمُدَّ يَداً
بِكَأسٍ مِن حَلِيبِ الشَّمسِ ،
لَم تَمدُدْ يَداً
بِرَغِيفِ خُبزٍ غَيرِ مَا عَجَنَتْهُ أَدمُعُ شَاعِرٍ
غَالَت أَمَانِيَهُ العِذَابَ يَدُ السِّنِينْ .
و زَرَعتُ ( يَا مَا قَد زَرَعتُ )
فَمَا جَنَيتُ سِوَى القَتَادِ ،
سِوَى الرَّمَادِ
سِوَى سَكَاكِينِ الجُحُودِ تُمَزِّقُ القَلبَ الحَزِينْ .
و هنا كأن حزن الشاعر كله يتجلى بهذه الـ "أواه" يا عين القصيدة ...
فهنا تعبير عن ألم عميق ينتاب شاعرنا فيتأوه مخاطبا عين القصيدة متسائلا عمن سيمسح دمعها الذي سكبته عين الشاعر...
و هنا غاية الإبداع أن نرى أن الدمع المسكوب من عينيه هو ذاته دمع عين القصيدة ؛
إذن عين القصيدة دمعها مسكوب من شاعرنا في دلالة على أنه يضع نفسه كلها بما تعتريه من مشاعر و أحاسيس في القصيدة فتصير القصيدة هو،
كذلك عندما يربط بين عينيه و عين القصيدة بقوله في آخر المقطع متسائلا من سيزرع فيها زرقاء اليمامة لتدلها على الطريق فبالتالي ينزع نظارته السوداء :
أَوَّاهُ يَا عَينَ القَصِيدَة ِ
مَن سَيَمسَحُ دَمعَكِ المَسكُوبَ مِنِّي
مَن سَيَرسُمُ فِيكِ عُصفُوراً يُغَنِّي
مَن سَيَزرَعُ فِيكِ زَرقَاءَ اليَمَامَةِ
كَي يَعُودَ لَكِ البَرِيقُ
و يَستَنِيرَ بِكِ الطَّرِيقُ
فَأَنزِعَ النَّظَّارَةَ السَّودَاءَ عَنِّي .
ثم يعود شاعرنا و يحدث نفسه حديثا أقرب للعتاب و استهجان الحال حتى أنه يعاتب نفسه متسائلا ماذا قد حصل قلبه غير بيت شعر بناه على أطراف بلاده ؛
و متسائلا باستنكار : هل ستسكنه بعد أن صار المدى ضيقا في عيني كسم الخياط ...
ما أحلاها من صورة و من تشبيه :
مَا بَينَ خَمرَيْنِ ...
( الهَوَى و الشِّعرِ )
كُنتَ أَيَا رَهِينَ المُسْكِرَيْنِ تُنَادِمُ النَّجمَاتِ
تَشرَبُ نَخبَ مَا أَبقَتهُ أَيَّامُ اْغتِرَابِكَ
عَن بِلادٍ لَم يَعُد فِيهَا لِقَلبِكَ
غَيرُ بَيتِ الشِّعرِ مَبنِيّاً عَلَى أَطرَافِهَا
قُل لِي بِرَبِّكَ :
هَل سَتَسكُنُهُ ؟ و قَد نَسَجَت وَشَائِجَهَا العَنَاكِبُ ،
و المَدَى سَمُّ الخِيَاطِ بِنَاظِرَيكَ
و أَنتَ مِن هَمٍّ إِلَى وَهمٍ تَسِيرُ إلَى يَقِينْ .
ثم يحمل نفسه ما لا طاقة له به من حمل (الدين)
متسائلا من سيحمله إذا استقر فيما بعد مقبورا بين الضلوع...
من أحلى مقاطع القصيدة المزدحمة بالصور البديعة رغم كل الأسى و إحساسه بالظلم كما وقع على سيدنا يوسف من امرأة العزيز...
و لكن صاحبَي شاعرنا هنا في سجنه هما خياله و الجنون ...
دَينٌ ثَقِيلٌ فَوقَ كَاهِلِكَ الضَّعِيفِ
فَمَن سَيَحمِلُهُ ،
إِذَا اْنتَهَت الخُطَى بِكَ صَوبَ قَبرٍ
فِي ضُلُوعِكَ
مَن سَيَرتِقُ ثَوبَ قِصَّتِكَ الَّذِي قَدَّتهُ مِن دُبُرٍ
يَدُ اْمرَأَةِ العَزِيزِ
و لَفَّقَت تُهَمَ التَّحَرُّشِ كَي يُزَجَّ بِجِسمِكَ الوَاهِي
إِلى سِجنٍ جَدِيدٍ ،
صَاحِبَاكَ بِهِ خَيَالُكَ و الجُنُونْ .
و يستمر مستعيرا الصور و القصص من قصة سيدنا يوسف و ما وقع عليه من ظلم في دلالة على يأس كبير يصيب شاعرنا جراء كل ما يحدث من حوله:
مَن ذَا يُفَسِّرُ حُلمَكَ الأَزَلِيَّ
و الصِّدِّيقُ قَد أَلقَاهُ أِخوَتُهُ بِجُبٍّ
ثُمَّ جَاءُوا بِالقَمِيصِ
عَلَيهِ مِن دَمِ كِذْبِهِم مَا يَفتَرُونْ .
مَن ذَا يُفَسِّرُ حُلمَكَ الأَزَليَّ فِي سَبعٍ عِجَافٍ
قَد أَكَلنَ فَمَا شَبِعنَ
و قَد شَرِبنَ فَمَا اْرتَوَينَ
و قَد جَلَسنَ فَمَا بَرَحنَ مَكَانَهُنَّ
و قَد ... و قَد ...
حَتَّى تَبَدَّدَتِ السَّنَابلُ
جَفَّ نَهرٌ تلوَ نَهرٍ كََانَ يَروِي الظَّامِئِينْ .
و بعد كلما نقرؤه من حزن يعتري شاعرنا يوصلنا إلى مناجاته لشهر زادَ قصائده
يسألها أن تكون جواره علّ الحزن يغادره فيحل الفرح محل الحزن الذي سكن قصائده ؛
راجيا إياها ان تبعده عن الواقع الذي ما عاد يطيقه
فهو قد اكتفى من الأهوال و النكبات و الحروب فلم يعد بحاجة لسماع المزيد من الأخبار :
يَا شَهرَ زَادَ قَصَائِدِي :
كُونِي جُوَارِيَ حِينَ أَفتَتِحُ القَصِيدَةَ
عَلَّنِي مِن نُورِ وَجهِكِ أَستَمِدُّ وَضَاءَة المَعنَى
فَأُبِدِلُ نَبرَةَ الحُزنِ التي سَكَنَت طُيُورَ قَصِيَدِتِي
لَحناً شَجِيّاً فِي فَضَاءِ العَاشِقِينْ .
لا تُحدِثِي الضَّوضَاءَ حَولَ شَوَارِدِي
لا تَفتَحِي التِّلفَازَ
لا تُصغِي لأَخبَارِ الكَوَارِثِ
و الحُرُوبِ ،
فَقَد مَلَلتُ الحُزنَ فِي صَوتِ المُذِيعِ
نَسِيتُ أَنَّ اليَومَ مِيلادُ الرَّبِيعِ
فَلَم أُقَدِّمْ وَردَةً لأَمِيرَتِي
لَم أَحتَفِلْ مَعَهَا بِعِيدِ اليَاسَمِينْ .
يعود لشهر زادَ قصائده يطلب إليها مرة أخرى أن تظل قريبة إليه
فإن بعدت ستنهشه مخالب الليل
و إن غابت ؛ سيغرس الحزن نابه في قصائده،
و لسوف تذرو شاعرنا الرياح الهوج -في كل اتجاه -
يا شَهرَ زَادَ قَصَائِدِي :
لا تَبعِدِي
فَمَخَالِبُ اللَّيلِ الطَّوِيلَةُ سَوفَ تَنهَشُنِي
إِذَا مَا غِبتِ عَنِّي
سَوفَ يَغرِسُ حُزنِيَ النِّيلِيُّ نَاباً
فِي أَدِيمِ قَصِيدَتِي
و لَسَوفَ تَذرُونِي الرِّيَاحُ الهُوجُ
فِي كُلِّ اْتِّجَاهْ .
إذن فعنوان الجميلة جدا هذه ( في كل اتجاه) قد كان مما ختم به أستاذي قصيدته ...
أعتذر إليك أستاذي جمال، فجميلتك هذه تستحق من يسبر فيها عميقا لأنها تحمل نفس شاعر متمكن من كل أدوات الشعر و قد أبدعت في الاستعارات و التشبيه و قد جاءت مزدحمة بالعديد من الصور الفنية التي رسمتها بريشة من ألق.
و أعتذر إن قد راق لنا جدا حزنك الجاثم بين السطور، مع دعواتي بألا يجد الحزن لك دربا...
لك و لحرفك الجميل تحياتي و تقديري.