وقفت بروين تراقب من خلف باب غرفتها عاصفة شقيقها المتوحشة وهي تفترس أحلامها في مجتمع يحكم دائماً على المرأة بانها المذنبة، إلى جانبها كانت تقف زوجة شقيقها تحملق في صراع الوقت الغاضب والخوف المرعب من تهديدات زوجها لشقيقته التي لا تكاد تخفيها نظرات بروين الغارقة في لجَّة عقيمَة .
وبعد الصمت الذي أعقب اللوم والتهديد دخلت عليها والدتها تنتفض كشلال من الغيظ المتراكم بخُنقة مدسوسة بالبلوى، تخبرها بأن رائحة الموت قريبة جاءت لتعري أحد الأرواح الماكثة في دارهم لتحسم أمرها وتطمر عارها .
شعرت بروين بالأنين في كُحل أيامها المتبقية، كانت تعلم إن أسرتها ستقدم على قتلها والتخلص منها لأن الخطوة التي أقدّم عليها الجندي الذي يقف ليل نهار في نقطة التفتيش القريبة عند خطبتها من شقيقها، كانت كافية لتكشف سيل العلاقة التي بينها وبينه وتتهم بروين بعدها بأنها إمرأة جلبت العار لأسرتها .
النهارات التي قّضتها بروين محبوسة في غرفتها خائفة تترقب قلوبهم المتجلدة لنحرها، تشعرها بمداد الأنفاس الضائعة التي تبحث عن مستقر لها بين جنبات الوجع .
أما الليالي فكانت كوابيسها توقضها فيما هي تلتحف وجودها في سريرها العتيق، لتخبرها عن قتل نفسها كما قتلّت أحلامها وهي تدّلها حيث دروب الفناء وصرعات الروح تنقش الآمها في كل فرحة مهللة، فلم يكن لبروين خياراً سوى أن تخضع مجبرة لما تقرره العائلة بمصيرها، الجندي ( عريس الأحلام ) خاف وارتعب مما وجهه له شقيقها ساعة خطبتها، من عبارات، متهماً إياه بإعتدائه على شرف العائلة، فنساء العائلة لن تتزوج من الأغراب، وعلاقتك بها جريمة لا تغتفر، طالباً منه الإنتقال إلى مكان آخر بعيداً عنهم .
بعد أن لاذ العريس بالفرار، حدد شقيق بروين يوم الخميس للإجتماع مع العائلة، لنثر الغبار الذي تراكم على سمعتهم وفق إعتقاده؛ يوم الخميس وقف لساعات طويلة أمام مدخل البيت على غير عادته، ساد الصمت العصيب في الداخل وكأن جميع من في البيت اجتمعو حتى يصرعوا شيئاً غاضباً .
بروين لم تتناول طعامها منذ أيام والأحزان تهتز بداخلها وتهوي بها صريعة الهموم، فرجل أحلامها هرب وتركها في اول محنة تواجههم، حتى أمتلىء دخان الذكريات بداخلها ليخنقها، تهمهم لنيل الرجاء بالخلاص ولا تستطيع فالروح مصلوبة اليوم في أفق يدوي بصوت الخطيئة التي لم تقترف .
أحداث تهدهد بروين وانفلاتات العبرة تسعرها للبؤس رافضةً من أحد أن يحدد مصيرها، معلنة لنفسها إن إغاثتها لن تكون إلا بقتل نفسها.
وما أن فتحت بوابة غرفتها، واخرجوها منها، وقفت تقتنص وجوه الواقفين طالبة منهم بأبتسامة يحركها ضوء الحيرة، أن تدخل المطبخ لشرب الماء، سمح لها شقيقها بالذهاب، وجلس الجميع بإنتظار عودتها .
هي دقائق من الوقت الطويل طالته بروين بمسافة لم تحسبها وهي تبلل جسدها بـ ( البنزين ) بعد أن أحكمت إغلاق باب المطبخ عليها، وتمسك علبة الكبريت معلنة إنتكاس مصيرها، وانحلال عمرها في دحض العناء، ليركع جسدها حامياً تحت فرائض النار في حرم الإنتقام من النفس والإنتحار خلاصاً .
هكذا أحترقت بروين وأحترق العار الذي لفحها في البقاء حبيسته .
التوقيع
لِيتمرد لَون الكُحل ..
كَم يُشبهني هَذا اللون هَذهِ الأَيّام
آخر تعديل إبتهال بليبل يوم 10-05-2010 في 07:46 PM.