في خضم أمواج البحر الصاخبة.. وجدت نفسها تسكن بهدوء في قاعه، تحركها الأمواج
يميناً وشمالاً تستسلم لعبثها..
في ذهنها كل الأشياء متساوية حتى المتضادات والثوابت الحياتية لا شيء مهم..
فكل الأشياء آيلة الى زوال..
تخرج من الماء مثل حورية البحر، تعصر ثيابها، تجففها، تعود إلى البيت ككل مرة..!
يتكرر المشهد ثلاث مرات عبر الأيام المتوالية.. في اليوم الرابع تخرج إلى البحر،
تحاول أن تستنفذ كل طاقاتها لبدء رحلة سكون جديدة، لكن الأمواج العاتية تفاجئها
وهي بعد في منتصف الطريق. تقف بتحد لاستقبال الموجة المتمردة الآتية صوبها، تصفعها
بعنف، تتهاوى، تكاد تسقط تلتفت إلى الوراء، تشعر بأنفاس حارقة تخترق صمت الجنون
المعشش فيها يكاد يمسكها أن تقع..!
قدمها تزل، تلتفت مجدداً، قريب وبعيد في ذات الوقت.. لا يمسكها تقف وحدها،
يدخل هو، تبقى في الخارج تنتظر سكون الموجة كي تدخل البحر..
البحر هائج اليوم لا سبيل لولوجه، تعود منكسرة إلى الداخل بعد أن أعيتها سبل الانتظار..
في ذلك الركن تراه ينتظرها.. تهوى إليه، تهدأ.. لكنه يلتفت الى أصدقاء بالقرب.. يُفلتها!!
تحثه نظراتها الجائعة أن يلتفت إليها لكنه لا يفعل!
امرأة طاعنة في السن تجلس وسط البيت المتداعي، تلاحقها بعينين متسائلتين:
هل تحبين هذا الرجل؟
ترد عيناها: نعم ..لكنه يهملني..!
نظراته تخترق ثرثرة الصمت الذي يلفهما، إنه يعي تماماً ما تشير إليه المرأة العجوز،
يدرك بكل ثقة حاجتها اليه.. تشعر في داخلها برغبة عارمة أن يلفها بذراعيه القويتين،
ينتشلها من ذلك الصمت القابع في حناياها بفوضى مبعثرة غريبة.. تنتظر أن يتحرك،
يتصرف، يقرر، لكنه يبقى ساكناً..!!
تنطلق دون تفكير نحو البحر.. تطول قامتها، تحملق في الفضاءات، دقات قلبها تتسارع،
تخوض في دوامات البحر، يصل الماء متسارعاً، يغطي جسدها، شعرها، تغوص عميقاً..
فقاعات الهواء تتناثر كالزبد فوق الماء :
شهرزاد ملّت الحكايا والسرد، تغوص في البحر، تمد يدها تنتظر الخلاص..
شيئاً فشيئاً يتوقف اللهاث، تنقطع الأنفاس.. تغرق..!