استوت على مقعد الحافلة، سرحت في أجواء الطريق.
سني عمرها الثمانية والثلاثون سكين تذبحها، لكنها تغالب نصلها بعزم التناسي.
مضت أيامها دون أن تحس بها، شيء ما كأنما كان يقبض على جانحيها بسلاسل ثم أفلتها لتلقى نفسها وحيدة، تشارك أبويها في البيت، وتعتاش من وظيفتها البسيطة.
بيد أنها اعتادت النسيان أو التناسي، والانغماس في نمطية الحياة اليومية.
- كم الساعة؟
أيقظها سؤال اختها المفاجئ من غفوة أحلامها اليقِظة، أختها الصغرى تلك التي باتت رفيقة أيامها وغدواتها.
- وما يهمك من أمرها؟
- أريد أن ألحق بالمسلسل في البيت.
- ستلحقين به، لا تخافي.
أسندت رأسها إلى كتفها متذمرة، فقد كانت تلقى في أحلامها التأملية لذة رغم ما تحمل في طياتها من أوجاع.
مالت الحافلة بركابها في حركتها الاعتيادية، فُتح الباب ليصعد شاب في أواسط العشرينيات، محيا الوسامة والطيبة يكسوه|.
جلس مقابلها، في لحظة واحدة لقيت نسيماً من الألق يحيط بها.
- كأنما هو الصورة التي رسمتها في خيالي لفتى الأحلام.
لقيت نفسها تقفز فوق الخط البياني لتناسب الأعمار بين المتزوجين أو المحبين، شيء ما تحرك في قلبها نحوه لم يسبق له أن تحرك.
- إنه يلتفت إلي، ينظر في وجهي، إنه يبتسم، يبتسم لي بمودة حقيقية.
شغلها فرحها بابتسامته والتفاتته عن تبين السبب، قرصت أختها لتدفعها لمتابعة المشهد، كانت أكثر تريثاً منها، فشغلتها حيرتها مما يجري عن الفرح لفرح أختها.
- إنه يبتسم لي، أتراني وقعت من قلبه الموقع الذي أريد|؟
هال أختها ما رأته على محياها، ردة الفعل لا تتناسب ومجلسَهما في الحافلة.
- انتبهي يا سلمى، ما حل بك؟ ! ، أنسيت أين نحن.؟
- لا مشكلة، إنها السماء، باب السعادة تفتحه لي.
- أرجوكِ، الناس سينتبهون.
- وبم أفادنا الناس؟ هل خلصوني من كآبتي وجبال الهموم الرازحة فوق صدري، أو التفتوا لما أنا فيه؟.
- أنزلنا عند اليمين يا معلم
صاح الرجل الجالس مع زوجه في المقعد المتقدم على مقعدها هي وأختها، فأظهر الشاب فوراً علائم التهيؤ للجلوس مكانه.
كأن مئة عصفور غردوا معاً في صدرها بمعزوفة صباحية، البسمة صارت تغريداً، والأمل غدا بهجة.
شدت على يد أختها بحماسة وارتباك، فيما التفتت إليها أختها بقلق يغلفه حزن وشفقة.
قام من مكانه، وأسرع بخطوات كأنما يخطوها على شغاف قلبها، واستقر مكان الرجل وزوجته.
التفت إليها سريعاً.
- مرحباً
- - أهلاً وسهلاً
جاء صوتها خفياً، تخنقه السعادة الدهرية.
- ألست حضرتكِ الآنسة سلمى؟
الفرحة والدهشة معاً ملأا مجاري النطق لديها
- بلى
- لقد كنت من طلابك في مدرستنا الابتدائية قبل خمس عشرة سنة، درستِنا اللغة الإنجليزية حينها، وجدّدتِ لي ذكرياتي برؤيتك اليوم.
آل وجهها هضبة من فولاذ في ثانية، تسمرت يدها فوق يد أختها، وتحجرت دمعة صغيرة ذُرفت من عينها.
حاولت قول شيء لتجد أنها قد فقدت النطق تماماُ، وربما إلى الأبد.
التوقيع
الأديب هو من كان لأمته و للغتها في مواهب قلمه لقب من ألقاب التاريخ
إمام الأدب العربي مصطفى صادق الرافعي
آخر تعديل عواطف عبداللطيف يوم 09-23-2014 في 04:42 AM.
هذه المعاناة تصيب الكثير من الفتيات اللواتي تأخر عنهن قطار الزواج
رسمت لنفسها الحلم لتصطدم بأرض الواقع بسرعة
الحياة ليست زواج فقط
الحياة حافلة بالكثير مما يعين القلب ليستمر
أسفي عليها بالفعل،
قد كنت أودّ أن يكون فارس أحلامها رغم فارق السنّ..
عبد الله
لقد كنت ممتازا في صبرك على تفاصيل القصة،
فجاءت رائعة..
وارف المحبة و نجومي
الواقع محمل بالكثير من المعاناة
وهذه واحدة من آلاف الحالات التي سئمت الانتظار والمواساة
الأستاذ عبدالله
لنصك الواقعي قفلة رائعة
سلمت يداك
تحياتي وتقديري
القصة جميلة و فيها من الحرارة الكثير
حيث تلاشى الفاصل بين الحلم و الواقع في أغلب مفصلات النص
حتى الوصول للقفلة التي قسمت الحلم و الواقع لجزأين غير قابلين للتفاوض مطلقا
و هنا أريد أن مقارنة بسيطة عن جيل سابق و هو ليس ببعيد
حين كان الشاب و في مقتبل عمره يتزوج أحيانا ممن تكبره سنا حتى العشر سنوات و أعرف منهم الكثير
ليتحول جيلنا نحو تطبيق سنة الفارق العمري اللازم
بل أصبح عارا للرجولة أن تقع بحب من تكبرك
نفقد من إنسانيتنا الكثير استاذي
نص جميل حقيقة لغة و بناء
و أيضا اختيار موفق لمكان الحدث
الحافلة حيث فوضى كبيرة التيه و رحيل في ذواتنا دون شعور
قصة تستحق القراءة
فشكرا لمتعة القراءة هذا الصباح أستاذي