كان لقصيدتي ثرثرات مطر شرف قراءتها من قبل الناقد والأديب الفلسطيني الأستاذ خليل هاروني
بعد استلامه نسخة من ديواني والذي يحمل نفس اسم القصيدة
--------------------------------------
وقفة هادئة مع "ثرثرات مطر"
للشاعرة دوريس سمعان
تتخذ قصيدة "ثرثرات مطر" للشاعرة دوريس سمعان من المطر استعارة مركزية لاستكشاف الحالة الوجودية للإنسان المعاصر، حيث تتداخل العوالم النفسية والروحية مع الظواهر الطبيعية في نسيج شعري مكثف.
تنتمي القصيدة إلى الشعر العربي الحديث الذي يجمع بين التعبير الذاتي العميق والانزياحات المجازية المعقدة.
تتبنى القصيدة بنية درامية تشبه المسرح الذهني، حيث تتحول المشاعر الإنسانية إلى شخصيات فاعلة في مشهدية متخيلة.
تبدأ القصيدة بتصوير حالة من التيه الوجودي ("التسكع على أرصفة العمر") وتنتهي بمواجهة درامية مع المطر نفسه، مما يشكل قوساً درامياً مكتملاً.
تعتمد القصيدة على ثنائيات متضادة تخلق توتراً دلالياً:
- التسكع مقابل الأمنيات اللاهثة
- الصبر مقابل الجنون
- اليأس مقابل الأمل
- العتمة مقابل الضوء
- العشق مقابل الأشواك المسننة
كما تتجلى خصوصية التجربة الأنثوية في الصورة المركزية "الطفلة المتقوقعة في أعماق الروح"، التي تمثل الذات الأنثوية في حالة ضعف واستسلام، لكنها تحتفظ بقدرتها على التساؤل والمقاومة الوجودية.
- تستخدم القصيدة مفردات تنتمي إلى حقول دلالية متنوعة:
الوجودية ("العمر"، "الفكر")،
العاطفية ("الصبر"، "اليأس")،
الطبيعية ("المطر"، "الغيوم").
- تكثف الأفعال التي تحمل دلالة الحركة والتحول:
"تسكع"، "ترتعد"، "انشقت"، "تتساءل"، "تشتعل".
- تظهر الألفاظ المهجورة أو النادرة ("تنهدات"، "هُطُولاً") مما يخلق طاقة شعرية خاصة.
- استخدام الجمل الاعتراضية والفقرات الطويلة التي تحاكي تدفق المطر وثرثرته.
- تكرار حرف العطف "الواو" الذي يعطي إيقاعاً تراكمياً يشبه قطرات المطر المتتالية.
من ناحية اخرى، تصور القصيدة الإنسان في حالة اغتراب عن ذاته وعن العالم:
"غربة المسافات"، "العتمة"، "الثقوب".
هذه الصور تعكس الرؤية الوجودية للحياة كفصل بين الذات والوجود.
وتمثل "فوضوية الأمنيات اللاهثة" حالة الرغبة الإنسانية التي تتعارض مع واقع "أشواك مسننة". هذا الصراع يولد "حرقة الإحباط" التي تمثل العجز عن تحقيق الذات.
"أرصفة العمر" تشير إلى خطية الزمن وثقل التجربة الإنسانية المتراكمة، بينما "الطفلة" في الأعماق تمثل البعد الأبدي للذات الذي يقاوم تقلبات الزمن.
واذا تناولنا الجوانب الروحية والرمزية، فإننا نجد أن المطر في القصيدة يحمل دلالات متعددة:
- النقاء والتنظيف (في التوقع الشعبي)
- الدموع والحزن (في السياق العاطفي)
- الغضب الإلهي أو السماوي (في الإطار الديني)
- الثرثرة والكلام الفائض (في البعد السيميائي)
وهناك الطقوس والقداس:
"إقامة القداس للعتمة" يحول المعاناة إلى طقس مقدس، مما يعطي المعاناة معنى وجودياً ودينياً. هذا التحويل يشبه عملية الخلاص عبر المعاناة في التصوف المسيحي والإسلامي.
وتظهر ثنائية الجسد والروح في "القدمين العاريتين" مقابل "الروح المتهالكة القوى". الجسد يحمل الألم المادي بينما الروح تحمل الألم الوجودي.
- "أرصفة العمر" كناية عن مراحل الحياة
- "أقبية الفكر" كناية عن العقل الباطن
- "ثقوب الليل" كناية عن الفراغ الوجودي
وفي زاوية اخرى يظهر الانزياح في توليد دلالات جديدة للمفردات:
- "التنهيدات" جمع "تنهيدة" مع زيادة في الكثافة
- "الهطول" بدلاً من المطر، مع دلالة الثقل والاستمرارية
- "الثرثرات الجنائزية" جمع بين الحياة (الثرثرة) والموت (جنائزية)
ويلفت النظر هنا، الإيقاع والصوتيات:
- إيقاع داخلي يشبه دقات المطر عبر تكرار بعض الحروف (التاء، الراء)
- جناس بين "الوله" و"اليأس"
- سجع خفي في نهاية بعض المقاطع: "اللاهثة"، "الغافية"، "مثقلة"
ثم يبرز الصراع النفسي إذ تمثل القصيدة صراعاً بين قوى النفس المختلفة:
- الأنا العليا (الصبر، الأمل)
- الهو (الرغبة، الجنون، الهذيان)
- الأنا الواعية (الطفلة المتسائلة، القلب الراغب)
الكبت والتحرر:
"أقبية الفكر" تمثل العقل الباطن حيث تكمن الرغبات المكبوتة. "انشقاق فضاءات الرغبة" يشير إلى محاولة تحرر هذه الرغبات.
حالات الوعي المتغيرة:
يظهر الانزياح بين حالات الوعي: من اليقظة ("التسكع") إلى الأحلام ("حكايا قبل النوم") إلى الهذيان ("هذيان انشقت له فضاءات الرغبة").
ولن ننسى في ختام جولتنا مع ثرثرات مطر المركزية الشعرية والدلالية
قصيدة "ثرثرات مطر" تشكل لوحة وجودية معقدة تجمع بين الذاتي والكوني، الداخلي والخارجي. استطاعت الشاعرة عبر لغة مجازية مكثفة أن تحول المطر من ظاهرة طبيعية إلى استعارة مركزية للحالة الإنسانية في العصر الحديث، حيث يصبح الكلام (الثرثرة) تعبيراً عن العجز والاغتراب، والطبيعة مرآة للنفس الإنسانية المعذبة.
تمثل القصيدة نموذجاً للشعر العربي الحديث الذي يبحث عن لغة جديدة للتعبير عن الوجود، لغة تجمع بين العمق الفلسفي والشفافية العاطفية، بين التراث البلاغي العربي والتجريب الحداثي. تبقى "ثرثرات مطر" شهادة شعرية على قدرة الكلمة على تحويل المعاناة إلى جمال، واليأس إلى تساؤل وجودي مفتوح على احتمالات المعنى.
Khalil Harouni
Nazareth
التوقيع
وإذا أتتكَ مذمَتي من ناقصٍ .. فهي الشهادةُ لي بأنيَ كاملُ