أسعدتني جداً قراءتك الواعية العميقة للأحداث وتفاعلك الراقي مع الموضوع.. لقد تساءلت في ردك اسئلة مهمة ووضعت حلولاً ، وقد قمت بتلوين بعض الجمل باللون الأحمر لتكون جمل أرتكز عليها في ردي.
الشعوب هي من تصنع الديكتاتوريين، لا شك بأن الطابع القبلي له دور في تكوين المنظومة الاجتماعية بحيث يحتكم الجميع في النهاية الى رأي فرد واحد متمثل في شيخ القبيلة... هذا مقبول على مستوى القبيلة المتعارف عليها لكن في نظام الدولة لا يصح دور اللاعب الواحد...نحن نعيش في وسط شعوب متحضرة فاقتنا بألاف الخطوات بعد ان كنا في المقدمة والسبب هو الإنسان لإن الإنسان هو باني الحضارات...
الشعوب في الدول الديكتاتورية تٌقمع فكرياً قبل كل شيئ حتى يتم السيطرة عليها وهذا أول درس ينفذه الحكام الديكتاتوريين...في الحالة الليبية عندما تولى العقيد القذافي الحكم كان لا يتجاوز السابعة والعشرين من عمره وبدأ بداية صحيحة لكن من حوله من بطانة السوء استطاعوا ان يرسموا له طريقاً أخر أودى به الى نهايته الماساوية...سكوت الشعوب وعدم قدرتها على الوقوف أمام بطش السلطات التنفيذية تعطي للديكتاتورين الضوء الأخضر للتمادي في هيمنتهم....طبعاً هناك العديد من النخب كالمثقفين من صحفيين وكتاب وعلماء حاولوا الوقوف في وجه النظام لكن كان مصيرهم الإقصاء بكل الطرق.
أما الغرب فهو لا يتدخل من أجل سواد عيون أحد...للغرب مصالح يضعها بالدرجة الأولى من أولوياته ويفعل كل ما بوسعه من أجل مصالحه...ومعروفة مصالحه في الشرق الأوسط مصالح اقتصادية بحتة ومصالح أمنية....لكن في الواقع الليبي اضطر الليبين للاستعانة بهم لإزاحة طاغيتهم...يقول البعض ان الثمن هو الهيمنة على مصادر النفط الليبي وهذا كلام مردود عليه إذ ان صناعة النفط تٌدار بالتقنيات الغربية في كل بقاع الأرض لذلك هم سيهيمنون في كل الأحوال.
نعم التغيير من قمة الهرم لا تكون تغييراً كاملاً لإن هناك من يليه في التسلسل الهرمي سيعملون على تخريب ومقاومة أي محاولة للتغيير لكن التغيير لا بد منه ، فبقاء ديكتاتور لمدة ثلاثين أو أربعين عاماً من شأنها القضاء على شعب بأكمله معنوياً وأدمياً...ما حصل في الربيع العربي كان لابد ان يحصل من وقت طويل ولا أشكك أبداً في ان هذه الحراكات كانت حراكات شعبية حقيقية وليس موجهة كما يميل البعض لتوصيفها...الكبت يولد الانفجار والظلم يولد مثل هذه الحراكات...وصدقني ما حصل ليس فقط من أجل رغيف الخبز ولكن المطلب الأكثر الحاحاً هي الكرامة المفقودة.
أؤيد رأيك في اننا نحتاج الى قيادات ذات نفس جماعي لتحفظ للأمة كرامتها المهدورة...نحتاج الى إعادة تأهيل المواطنين ليستوعبوا حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم...وهنا دور النخب المثقفة للارتقاء بفئات الشعب الأخرى من أجل بناء جيل جديد خارج اطار الرهاب والخوف وبطش الأنظمة الديكتاتورية.
أشكرك أستاذ قصي على مداخلتك الرائعة ،
مودتي وتقديري،
سلوى حماد
الاخت الفاضلة سلوى
قبل الاسترسال في ردي ومحاورتي معك..وشخصيا تعجبني تلك
الشخصيات المنفتحة للنقاش ..اود ان اسجل ما ورد في ردك للاخ فريد
انت فلسطينية..وليبية..وهذا محسوب لك للوفاء ..وهو ينم عن تكوين
الشخصية..ومكارم الاخلاق ومنها الوفاء
اعود لموضوعنا..الاخت سلوى..
نعم الانسان هو الاساس في البناء. ومن اين نأتي برجالات دولة..انستورد
رجالات الدولة ...وهم من المجتمع ..والمجتمع قبلي ..فيه من الازدواجية الكثير
ومن الطبيعي ان يصعد للمواقع المتقدمة من هم من هذه البيئة..ثم هناك في
الارث المجتمعي صيغة التمجيد للشخص..فارس..مغوار..بطل..
الشعوب الاوربية ..استطاعت ات تعبر هذه المرحلة بعد ان توفرت لها قيادات
انفصلت عن موروثها..وتجرأت حتى على بعض ما كانت المجتمعات الاوربية
تعتبره من المحرمات.. ففصلت الكنيسة عن ادارة الدولة ..وكونت مؤسسات لا تتأثر بتغير الحكومة..وتم فصل الدولة بمؤسساتها عن المنظومة الحاكمة التي تتغير بانتخابات نزيهة حتى امريكا..فمن ابادة السكان الاصليين الى هيمنة العنصر
السكسوني ..وكان رواد التحرر من عنصريتها ابراهام لنكولن ومارتن لوثر ..
نحتاج لثورة مجتمعية..والا سنظل نستسخ انظمة دكتاتورية ولكن بأوجه اخرى باسم
الديمقراطية..وباسم الديمقراطية يقمع الرأي الاخر..
ثقافة الديمقرطية وقبول الاخر تحتاج لتغير بنيوي للمجتمع لا لتغير حكام فقط
اما الغرب..سؤال يتبادر للذهن اذ كان الغرب اولياته لمصالحه..واذ كانت صناعة الطاقة
تدار بتقنية غربية وهو لا يحتاج لثمن تدخله فهو يؤمنها من سيطرته على الصناعة
سؤال بريء..لماذا ساعد ثوار ليبيا أذن..وما الثمن...؟؟لماذا اسقط نظام ديني متزمت
في افغانستان وحل محله نظام قبلي بصبغة لبرالية..ولماذا اسقط نظام لبرالي في العراق
ليحل محله نظام ديني بصبغة طائفية..اي عكس ما فعل بافغانستان..
اشاطرك الرأي ان ما يحدث ليس للمصالح الاقتصادية..واشاطرك الرأي ان الانظمة الدكتاتورية
جعلت غليان الشعوب وقهرها في كل المفردات هي التي ادت الى هذا الغليان...ولكن الا ترين معي بعض الريبة ان احسنا النية..اما القراءة ..تقول هناك استثمار لغليان الشعب العربي من حكامه الجائرين المدعومين من الغرب اصلا بطريقة مباشرة او غير مباشرة(وما دمنا في ليبيا لا اضنك لم تري برلسكوني وهو يقبل القذافي بطريقة مذلة..وكيف ابتز الغرب القذافي في مسألة لكوربي ) ولكن في النهاية..ولماذا الان
ومن تحكم ببوصلة النهاية للثورة..الشعوب..شخصيا لا اميل للشعوب ..بل الشعب العربي
من تحكم بها..وما النتيجة والثمن؟..قد يقول من يقول لكل شيء ثمن..ولكني اقول اذا كان
الهدف والادوات بيدي فلا بأس بالتضحية..؟
الاخت سلوى..تذكري ردي اليك..دولة كردية قادمة ..ودول طائفية..قادمة..
ودول مناطقية قادمة..لكن ليس الان..فكما كان وعد بلفور عام 17..واقامة دولتهم عام 48
فديدن الغرب ان يطبخ على نار هادئة تكتوي بها الشعوب بجهلها ونظرتها القاصرة التي لا تبتعد
اكثر من متر من مكان وقوفها...وتذكري ان الحرب الايرانية العراقية كانت تغذى من الغرب
وكانت الكويت فخ للعراق وبداية لعبة الدينيمو لسقوط الدول كمؤسسات وليس انظمة فقط
والفرق بين اسقاط حاكم..واسقاط دولة بكل مؤسساتها..وتغير البنية المجتمعية على اسس
طائفية وعرقية ودينية ومناطقية..وهو ما يحدث الان...هنا سؤال بريء..اهذا ما كانت تريده شعوب
المنطقة؟؟ ام هذا ما خطط من اجله..واستثمرت دول الغرب غباء الحكام وجهل الشعوب لتمرير
مخططها التقسيمي والاحترابي...سأضرب لك مثال بسيط دون الدخول في التفاصيل فهو يطول
شرحها والحوار فيها...في فلسطين جرت انتخابات...قلت لا ادخل في التفاصيل ولكني فقط اشير
لنتيجتها النهائية..هو انقسام فلسطيني..ادارتان..واحدة في غزة والاخرى في الضفة
الحديث يطول ودائما ما انى بنفسي عن مثل هكذا نقاشات..لان الغاطس اكثر من الظاهر
ولكن لرؤياك الثاقبة..جعلني اطمع في الاسترسال معك..وخاصة انتِ كما أرى ممن يأخذ المتفق
معه ويناقش المختلف بروح رياضية..وهو نواة ..النخب التي تنتج الفكر الجماعي حتى يتبلور الرأي
السديد ليقتنع به الجميع..
نتمنى من الله ان تكون رؤانا وتشاؤمنا في غير محلها..ونتمنى من الله ان تتوحد امة العرب..
ولفلسطين الحبيبة ولكل وطننا الغالي امنياتنا بالرفاهية
ولكل العالم ..السلام...فما اجمل السلام
تحياتي الفاضلة سلوى وامتناني لردك الرائع