وللكلماتِ ملامِحُها ؛
إبحارٌ في ديوان الشّاعر جعفر الخطاط (ملامحُ رسمتَها الكلماتُ)
ليس من السّهلِ تحديد ملامحَ الأيَامِ ، والأمكنةِ ، والنّساء والغاباتِ ، والصّحاري ، والمنافي ،والبلاد ،والقوافي رسماً ؛ فكيف لو كانت القصائدُ هي الرّاسمة لتلك الملامح التي طافت في خيالاتِ شاعرِنا المبدع جعفر الخطَاط ؛ تلك الملامحُ التي تسابقُ فرشاةَ اللونِ نحو اللوحةِ ؛ أملاً بالخلودِ على جدارٍ من ورقٍ ،بدلاً من الموتِ في ثنيّاتِ فكرةٍ ضائعةٍ ..
لقد توزّعت الملامحُ التي رسمَتْها كلماتُ شاعرِنا بين ملامحِ الوطنِ المكبّلِ باللصوصِ , وملامحِ أسرار العاشقاتِ الموثقات عهداً للغياب .. وبين ملامحِ ذبول الوردة المنسيّة قربَ مقعدِ موعدٍ مؤجل , وقيامةِ الخال من خلف نوافذِ المساء ...فأفهرسُ هذه الملامح إلى :
1- ملامحُ بغداد
ملامحُ دجلةَ ، وشهرزادَ ، والجسرِ، وعيونِ المها ، وسطوحِ المنازلِ صيفاً ، والقمر المتدلَي حلماً على ضفافِ النّخيل ، والمواعيدِ وأحلام العذارى , كلَها مرسومةٌ في أربعِ قصائدَ موّشاة بخيالِ عاشِقَينِ عند دجلة , فيهتفُ بحبّ بغدادَ قائلاً:
"بغدادُ ياسرّ الوجودِ تنعّمي
فالليلُ أطرق في الجفون مسهّدا"
ويهمسُ في قصيدة أخرى:
"سلاما لليلكِ (بغداد) عودي
وغنّي نشيدك فالبدر غافِ
سلاما لهمسكِ لو قلت شعرا
تحجّ إليك جميع القوافي"
2- ملامح حبٍّ كبير
تغرّدُ ملامحُ البلاد في عينيّ من يهوى ، وإن رسَمتْ المسافاتُ حواجزَ لا تجيز اللقاءَ , فيقول:
"ولو طال الفراق سنينا
وحالت بيننا سبل التجافي
سيبقى الشعر في عينيك يروى
ويبقى العشق عشقك لاتخافي"
3-ملامح الإنكسار
أمّا ملامحُ مواجعِ الذّكريات التي رسَمتْها أعوامُه على وجههِ ؛ فقد رتّلَ حروفَها كأغنيةٍ من الحرمانِ أمام قنديلٍ لا يبعث ضياؤه سوى هواجسِ الإنكسار؛ فيتكوّمُ في طيّاتها كشظايا من الحطام فيهتفُ مخاطبا ذاته:
"ها أنت تشطب من سنينك عاما
وتذرّ خلفك في الشّباب حطاما
4- ملامح الهجرة
وفي قصيدةِ (صرخةُ مهاجرٍ)؛ يرتدي شاعرُنا ملامحَ الخيبة والمرارةِ المضرّجةِ بالغضب ، واليأس ، والاندفاع نحو المجهول، ونحو طريقٍ لايفضي إلا صوبَ بابِ الاغتراب عن جدران الذّكريات , وعن حدائقَ كانت جنّةً من ضحكةِ الأمّهاتِ ، وعطرهن الشّذيّ ؛ وليس في حقيبةِ هجرتِهِ غير جواز سفر غامض الملامح هو الآخر , لايدري أيّانَ يومُ الإيابِ؛ فيقول:
"وودعت الدَيار وفي ندائي
أيا دار الأحبة من يجازي
سنيناً ضاقت الأيام فيها
ولم تثنِ العزيمة باهتزاز
وأبقيت الغلاف على حدودي
عسى يوما أعود وذا مفازي"
كوكب
التوقيع
ممن اعود ؟ وممن أشتري زمني ؟ = بحفنة من تراب الشعر ياورق؟
تبقى للكلمات ملامحها ودلالاتها المعنوية والصوتية والرمزية التي منها يستمد
الناقد المحترف قراءته لأي نص أدبي ليعيد تشكيله ثانية .
انطباع نقدي ممتاز أستاذة كوكب و إبحارٌ في ديوان الشّاعر جعفر الخطاط
(ملامحُ رسمتَها الكلماتُ). تقبلي تحياتي .
ودمت في رعاية الله وحفظه.
التوقيع
لا يكفي أن تكون في النور لكي ترى بل ينبغي أن يكون في النور ما تراه