( النص 21) من سلسلة ضوء جهاد بدران على نصوص نبع العواطف
النّص : إستسقاء
النّاص : عمر مصلح
القراءة : جهاد بدران
........................
النّص :
ألسعي ما بين أنحائك.. فرض ونافلة.
وصلاة الاستسقاء قائمة في جموعي..
كي أبلل الوسائد بدموع الرجاء.
............................
القراءة :
إستسقاء....
عنوان في طي معناه طلب إغاثة بعد جفاف طويل لريّ النفوس أو لاستغاثة لعادة مطر يروي الجفاف باختلاف معانيه..
وهذا يذكرنا بصلاة الاستسقاء من التناص الديني في طلب الاستغاثة من الله بعد انقطاع المطر والخير من السماء كي يلبي الله الدعاء بإنزال الغيث رحمة بالبشر والأرض..
وهذه الصلاة تشبه صلاة العيدين، باختلاف تحويل الثوب من اليمين لليسار أو قلب الثوب كما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد "أن النبي ﷺ حول رداءه لما خرج .. لما صلى بهم صلاة الاستسقاء"، والسنة للمسلمين كذلك...
وهذ الصلاة طلبًا من الله الغيث مع الدعاء والاستغفار والإلحاح في رفع الإيدي لطلب الغيث من الله تعالى..
وبالرغم من ن هناك معاني للاستسقاء تخص الأمراض، لكني لن أتطرق لذلك، لأن مضمون النص لا يتطلب ذلك حسب ما فهمناه من بين السطور..
وسنقوم بتشريح مفاصل النص لكشف مكنونه واستخراج جوهره ومعالمه التي توحي بالجمال وبالمعنى الذي نريد كشفه من خلال مباني الحروف والتراكيب اللغوية...
قال الكاتب:
/ألسعي ما بين أنحائك.. فرض ونافلة./
من خلال كلمات النص هذه، يتضح لنا أن الكاتب أراد فحوى الاستسقاء مع التناص الديني لصلاة الاستسقاء..
ف/السعي/فرض ونافلة/ تأخذنا لما تحمل من نفحات هذه الصلاة وطلب الغيث..
لكن مع الكاتب هنا كان السعي والفرض والنافلة بين أنحاء محبوبته الوطن أو حبيبته التي يعشقها...
السعي، هي عملية هرولة والإسراع في المشي دون الجري.*
وهذا السعي لتحقيق هدف ما أو بمثابة قربان ليتم تحقيق المراد..
والسعي من فعل سعى، بمعنى التحرك وبذل الجهد، كأن الكاتب يقول، لا يمكن أن يحقق الإنسان مراده وهدفه، إلا من خلال التضحية وبذل الجهود، لذلك وجد الكاتب كلمة /السعي/ مرادفًا عظيمًا يليق بالنص ويليق بما يريده وفق جهود مبذولة، وبدون السعي والجهود لا يتحقق حصاد سنابل الإرادة والأمل..
وكلمة /ما بين/ تثبت بأن توظيفها قد تمّ بإتقان وذكاء من فكر وعمق الكاتب، لأن الهرولة والسعي تجري بين اتجاهين متعاكسين،
وكلمة/بين/ تدل عالمكانين المرادين، يعني علاقة مكانية والتي تعطي شرعية وجود حقيقة واقعية وليست محض خيال.. لذلك وظّف الكاتب كلمتا/ ما بين/ لتكون في ميزان القوة والجمال والدعم العميق لمدار حروفه التي بناها في دائرة نصه الفاخر...
ولكن ما الذي قصده الكاتب، /ما بين أنحائك/* وماذا أراد بمعنى ولغز كلمة /أنحائك/ وهنا تأتي أبعاد هذا الفكر الخلاق الذي يعمل حساب كل كلمة بإتقان في رسمها وترتيب حروفها...
سنعرض معنى أنحاء كما جاء في:
-المعجم الغني (نَحْوٌ) لتسهيل ما ردت من توضيح:
نَحْوٌ- الجمع: أَنْحَاءٌ. [نحو]، (مصدر: نَحَا):
2- "عَلَى نَحْوِ مَا يُرِيدُ": عَلَى النَّهْجِ أَوِ الطَرِيقَةِ الَّتِي يُرِيدُ. "عَلَى هَذَا النَّحْوِ".
فالسعي بين أنحائها، بين جهاتها الأربع، بين اتجاهها وقبلة وجهها إن كانت نحوه أو في غير اتجاه، على النحو أو الطريقة أو النّهج الذي يريده هو، والمهم هو يسعى لجميع أنحائها حتى لا يترك ثغرة من خلال توجهها إلا وقد سعى إليه بُغية التأكيد على إرادته بها والاستحواذ عليها من جميع الجهات، وهذا دليل على تمسكه بها للسيطرة عليها قبل أن تُغيّر قبلتها عنه... وأما أنحاءها، لها اتجاهات عديدة، منها أنحاء القلب، الفكر، المشاعر، الخيال، الاتجاهات المختلفة في مسيرة الحياة، وزوايا تفكيرها وغير ذلك...
أما وما وظّفه من معاني لكلمتا :
/فرض ونافلة/
فقد أرادهما كذلك، حتى لا يدع مجالًا لثغرة واحدة لا يسعى بها إليها، ليكون قد أدى السعي على أكمل وجه دون نقصان، ودون مجال للندم أو التأنيب من تركه لزاوية سعي لم يبذل فيها جهدًا..
فالسعي عبارة عن بذل جهد، وليس مجرد تعابير كلامية أو صوت ، بل بذل الجهد هنا حتى يُظهر قدرته في عمل المستحيل للوصول إليها وليس مجرد أقوال لا تغني ولا تسمن من جوع، وجعل هذه الكلمة مرتبطة بالفرض والنافلة، فالفرض والنافلة هي عملية عبادة متكاملة غير ناقصة أبدًا، وقد أرادها الكاتب كذلك ليثبت جهده في الحصول عليها..
فرضٌ، من الواجب المحتّم علينا فعله ونأثم بتركه، والنافلة تدور في فلك رغبته بحيث لا تدخل في قواعد اللزوم والاضطرار، بل تأتي برغبة فاعلها وبكامل إرادته دون قيد ما.
وفي الجمع بين الكلمتين، تكامل تام في محيط الجهد المبذول نحو ما يسعى له في رغبة الوصول لأنحاء من قصدها الكاتب في فكره وخياله، وهذه قمة ما يحمله من قدرة تطويعها له..
/وصلاة الاستسقاء قائمة في جموعي../
هنا اتضحت صورة الاستسقاء على هيأة صلاة وبمفهوم العبادة التي تكون بين طرفين.. والاستسقاء عبادة لتغيير الحال من أسوئه إلى أفضله، وهي تحمل النقاء والطهر في الرجاء لتحقيق المراد..
صلاة الاستسقاء ما تزال قائمة في جموعه، بمعنى قائمة أي ما تزال تتجدد ولم تتوقف عن ذلك أبدًا..* فمن خلال الصلاة هذه، فقد رفع منزلتها نحو أفق السماء، وأرادها نقية من طهرها لتكون من أسباب تلبية الدعاء لما تحمله من اختلافات عن غيرها في كل شيء وإلا لما ربط حبها ورجاءها بصلاة تستوجب الدعاء لتحقيق مراده..
وأما ما قصده في جموعه، فهي مفتوحة التأويل على مصراعيها، لأنها تقبل معاني جموع كل ما يخصه من فكره ولسانه وقلبه وخياله وذاكرته وغيرها، ولربما ما جاء على لسان كلمة جموع، هي ما تتبعت مسألة التذكير والتأنيث والإفراد والجمع في الفعل مع الجموع المختلفة التي ينفرد بها هو من قول وعمل وصفات ومشاعر والتي تكون في جمع التكسير وجمع المذكر السالم وجمع المؤنث السالم والتي تدخل في صيغة منتهى الجموع أيضًا..
بمعنى كل ما يتكوّن فيه ومنه من جموع تستكمل كل صلاة الاستسقاء كي تتوجه بطلب الغيث لاستحضارها ..
ولماذا صيغ الجموع التي تجتمع فيه قد استعملها في التعبير عن كله وهو يطلب بالاستسقاء غيثها وحضورها وعدم غيابها..؟؟
كي يُنشئ معادلة واحدة يكون مضمونها الرجاء منها بالغيث يبلل وسائده بدموع الرجاء..
/كي أبلل الوسائد بدموع الرجاء./
فقد طلب الاستسقاء بمضمونه النقي الطاهر للرجاء والتوسل بطريق الدعاء ، وما يحمل من غيث الدموع التي تحمل هذا الرجاء كي يبلل الوسائد، والتي هي من صيغ الجموع كي يقول لنا أنه لم يرد شيئًا* إلا وقد استعمل الرجاء فيه كي يبلل الوسائد والتي تدل على النوم واشتعال الأحلام ويقظة الخيال والانصراف نحو الوحدة في بعده عن كل الخلق كي يخلو بما يفكر بشأنها لمجرد تحقيق توسله ودعائه في غيثها له بكل أصناف التقرب لها، وأما جمع الوسائد، دليل على كثرة ما يعانيه وكثرة تقلّبه في الرجاء من وسادة لأخرى بقصد حجم المعاناة التي يحملها وهو في محطة الرجاء والدعاء والاستسقاء لغيثها له...
هذا النص القصير بلفظه العميق بمحتواه الكثير بتأويلاته الممتلئة بما يحفز الفكر والخيال واللسان بنطق معالم الجمال والسحر ونحن نقف أمامه في تفكر وتدبر وذهول ونحن لا نملك إلا الرضوخ بجمال مبانيه ومعانيه التي اختزلت أكوامًا من الكلام لتكون في منتهى السحر وباختصار مدهش لكل معاني الغيث والرجاء في هيأة محبوبته التي قصدها الكاتب..
الكاتب والناقد الكبير والفنان البارع في رسم معالم الحروف
أ.عمر مصلح
لحروفكم طاقة عظيمة للتفكر والتدبر وتحفيز الخيال على استحضار كل عناصر ومقومات الجمال..
دمتم ودام عبق قلمكم يفوح في كل أرجاء الأدب باختلاف أجناسه..
وفقكم الله ورعاكم ورفع شأنكم ومنزلتكم فيما يرضي الله عز وجل..
.
.
.
جهاد بدران
فلسطينية
رد: ( النص 21) من سلسلة ضوء جهاد بدران على نصوص نبع العواطف
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عواطف عبداللطيف
الأستاذة جهاد بدران
ابنتي جهاد سعيدة بكِ
فلديك القدرة في التحليل والغوص في المعاني وترابط الكلمات والصور ومدلولاتها ومداها
قراءة تستحق التوقف فعلاً
تمنياتي لكِ بالتوفيق الدائم
محبتي
أمنا الغالية عالية المنزلة والمقام
.عواطف عبد اللطيف
يكفيني أن يتابعني في كل نصوصي قامة أدبية عريقة كأنت بارعة النسج من خيوط الشمس للوحات ذات أبعاد مختلفة
وهذا مبعث سعادة لي وتشجيع وفخر
ولا يسعني مع بحر حرفكم المدرار إلا أن أشكر فخامتكم التي ترعى كل قلم وتبعث فيه الحياة
أنت أمنا جميعا وعلينا الاحترام والتقدير لراعية الحرف وساقية دروب الأدب
لله درك كم أنت رائعة الحضور بقلمكم المشرق
امتناني وتقديري واحترامي لكم أيتها العطر الذي يعلو منسوبه في أفق السماء
كوني بخير دومًا وما علينا إلا الدعاء لك أن يمدّ الله بعمرك وأنت في تمام الصحة والعافية
قبلاتي الحارة لجبينك العالي
وكما أشكر أستاذنا الفنان الشاعر الناقد الذي يخلص بقلمه كل أنواع الأدب ويرعى كل حرف بهالات ضوئه المشرق
حروفكم استاذنا نبع التجلي في السبر بين حروفكم البارعة، شكرًا لمساحة حرفكم الذي كان أداة بحث وتنقيب عن جماليات الأدب
جزاكم الله كل الخير
.
.
ابنتك الفلسطينية
جهاد بدران
رد: ( النص 21) من سلسلة ضوء جهاد بدران على نصوص نبع العواطف
ذات ليلة أربعاء..
أَوقدتًُ شموعَ الخضرِ في صينيةٍ تزينها وريقاتُ آس، وأَهديُتها لدجلة.
ومُرادي حفظَ النبلِ من كلِ مكروه.
ودَّعتُ نذري.. وموجُ النهرِ يدفعه بعيداً، فتناهى إلى سمعي صوت مويجة تقول لأختها.. لا تنشطي فهذه ألصينية إئتمننا عليها رجل بلغ من القهر عتيا.. ضيَّع قناني عطر على أَرصفة اغتراب رَسَمَت على وجهه علامةً فارقةً اسمها انتماء.
رجل أَنهكته المرافئ والمحطات والمطارات باحثاً وطن.
مكتوب في جواز سفره المُلغى.. إفترضتُكِ وطني الذي كان، فكوني ملاذي.. علَّني أُمارس التحليق ثانية ببسالة فذة.
ولقد أَودَعَنا (مراده) متوسلاً ربه أَن يحفظ صور النبل في هدا العالم.. فلنحفظ أَمانته.
استهجنت كذبها، وهممتُ بالرحيل.
سمعتُ صوتَ دجلة يقول لي.. مويجاتي مازلن مرايا للنواس.
فأطلقت سراح ذاكرتي التي أَعتقلتُها منذ سنين، حتى توالت صورٌ لم أَتبين ملامحها، بعد أَن عبثت بها الغواية.
وسألت نفسي، تُرى..
هل بقيت (موضة) الوفاء تزين النساء؟.
وهل مازالت قطرة حيائهن على قيد الجبين؟.
وهل بقيت نون النسوة محافظة على رقَّتها، أَم شملتها حداثةُ التغيير فتنازلن عنها للقاف؟.
وهل حافظت شفاههن على صدق القبلة أم نَفَخْنَها بالنون؟.
وهل ظلَّ دهنُ العود شذا أَعطافهن أَم ضَلَّ طريقه نحو بيوت البائرات في سوق الشرف؟.
وهل بقين يشعرن بالفقد أم استبدلنه بالحقد؟.
وهل مازال الإيثار علامتهن الفارقة أَم شفطنه بالدينار؟.
تهادى صوت من أرض الزيتون والزعتر..
لا تقنط ياهذا.. فمازال كل شيء هنا كما عهدته من قبل، وهذا غصن زيتون مني.. أنا صديقتك الوفية جهاد بدران، وهذه النوارس التي تراها تطرز وجه السماء هن صديقاتك بنات النبع.
هذا ماقالته مواقفكن أيتها الآخوات الفاضلات، وكانت الناقدة جهاد بدران علامة فارقة للنبل والجمال.
رد: ( النص 21) من سلسلة ضوء جهاد بدران على نصوص نبع العواطف
ما أغنى النبع بكما وأورف ظلاله بتواجدكما الثر والخبير...
الحقيقة أننا نحسدنا على هذا البذخ اللغوي الأنيق في هذا الصرح الشاهق بأهله وأدبه
وأغبطني أنني كنت أحد رواده المتواضعين الفقراء، والذين يحضرون موائد الدسم هذه..!
على كل حال...
فيما يخص النص الجميل والقراءة البديعة...
فأحسب أن الناقدة الموقرة أ.جهاد قد تماهت أحداث النص حداً بعيدا!
ما أنتج هذه الاستقراء العميق، والواضح الجلي، والسلس البسيط لمتعلم كأمثالي...
فتق عن مكنوناته الدريّة، وأوضح معالمه الخفية.
دمتما بألق، ومن رقي إلى أرقى بحول الله
مودة وتقدير