آخر 10 مشاركات
اطلق قوافيك (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )           »          كيفك الآن؟ (الكاتـب : - )           »          حبٌّ ومآربُ أخرى (الكاتـب : - )           »          مساجلة النبع للخواطر (12) (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )           »          تأملات فى الآيات (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )           »          سجل دخولك بنطق الشهادتين (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )           »          البداية (الكاتـب : - )           »          اليتيم (الكاتـب : - )           »          خواطر ليل (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )           »          تـــعال / تـــعالي (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )



العودة   منتديات نبع العواطف الأدبية > نبع الأدب العربي والفكر النقدي > دراسات نقدية,قراءات,إضاءات, ورؤى أدبية > قراءات ,إضاءات,ودراسات نقدية

الملاحظات

الإهداءات
دوريس سمعان من باقة امتنان : استاذي الفاضل عصام أحمد ******** اخي الغالي كريم ******** مباركة أيامكما بأنوار القيامة دوما ******** باقات امتنان ومحبة أنثرها بدروبكما وكل عيد والجميع بخير وسلام عبد الكريم سمعون من Happy Easter : قيامة مجيدة ********المسيح قام ********حقا قام ********كل عام وانتم بألف خير ********ونخصّ بالذكر الغالية دوريس سمعان وأسرتها الكريمة ****

 
 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 04-24-2017, 11:52 AM   رقم المشاركة : 1
شاعرة
 
الصورة الرمزية فاكية صباحي





  النقاط : 10
  المستوى :
  الحالة :فاكية صباحي غير متواجد حالياً
اخر مواضيعي
افتراضي قراءة في قصيدة "مخالب النسيان" للشاعر ناظم الصرخي




ستنسين المساءات التي أحيت حكايانا
وتنسين الذي كانا
ويغدو القلب بركانا
وترجمني سماواتي
بسجّيلٍ من العسْرِ
لأني من أضاع العمر في قبوٍ
من الحيرهْ
ودهليزٍ من الغيرهْ
وحوّط ريش طائره
بأطواقٍ من النارِ
وأرسى الحرف في أُفقِ الملامــاتِ

دمي صوتي
وهذا طائر الغابهْ
يبادلُ ريشهُ الذهبي تحتَ رماد أوكارِ
يزوغُ بنظرةٍ حرّى لمن أسرى
يسابقُ صبْر سُنبُلةٍ بمضمارِ
ويُودِعُ عُتمَ أغنيةٍ بقيثارِ
يراهنُ عقربَ الزمنِ
بدهرٍ غير مؤتمنِ
نجومُ الصبح داميةً
شواظٌ أرَّقَ الأجفان
أدمى لذة الوسنِ
وأوتارٌ بدائيهْ
تسيّر ريحها عصفاً
لتعزف لحن أقداري
بحنجرةٍ هجائيهْ

هسيس الماء يرقبني
ويسألني
غصين البان من هذا ؟؟
ضفافي أصبحت أبْهى
وأشجاري به ولْهى
يعطّر غسْلُهُ داري

من الآلام خارطةٌ على وجهي
ودمعٌ غافلَ الأبواب والحارسْ
بصمتٍ فرّ من جدرانِ أجفاني
ليروي خديَ العاريْ
عصافيرٌ بلا مأوى
يناجي عرْيها الشجرهْ
وقد قُطِعت من الجذرِ
بفأسٍ قادهُ غصنٌ بعجرفةٍ
فأمسى خائناً نكِرهْ

دعيْ لي حين تطويني المسافاتُ
ثماري من جنى القلقِ
ولوحات انتظاراتي
وأنغام ابتهالاتي
وقنديلاً يُشارِكنُي دُجى الأرقِ
وحزناً رافقَ العمر
كظلٍ لم يشأ يرحلْ
ترامى ينشب الأظفار في حَدقَاتِ أسفاريْ
وعتّمَ بؤبؤ الشفقِ

دَعيْ لي مفردات العشق في تابوت أيامي
وحرفاً بات مصلوباً على بابكْ
وأشعاريْ التي صلّتْ بمحرابكْ
فإني تهت في نفقيْ
وذرعاً ضقت من نَزَقيْ

دَعيْ لي بحرك المجنون



قد أنساكِ بالغَرَقِ

*************
******

هذه اللوحة الشعرية النازفة تطرح قضية نفسية قد تكون نتاج تجربة شخصية للشاعر أو هي معالجة لقضية ما .. ربما هزت مشاعر الأديب القدير ناظم الصرخي
حتى يختزلها في هذه الأبيات الراقية ..لأن الجراح التي تتفتق في صدور الآخرين أكيد ستنزف بقلوب الشعراء ليتقمصوا مشاعر أولئك الموجوعين
ويخلدوها بأسلوبهم الخاص..
و أول ما يلفت نظر المتلقي بهذا القصيدة هو العتبة النصية المتمثلة في العنوان ..هذه العتبة التي لا أظن أن القارئ الحصيف قد يتجاوزها بسهولة
لينتقل إلى العتبة الثانية التي لخصها المطلع ..
ومن هنا يطيب لي أن أبدأ مناوشة هذه الأبيات المتألقة بدلالاتها وإيحاءاتها .وأبعادها ..
فالشاعر يريد أن ينسى ..لكن للأسف الشديد ذلك النسيان تجسد ماديا ليتحول من المحسوس إلى الملموس ..
بعدما صارت له مخالب نشبها بجسده ليبقى على قيد اللهفة والحنين وهو يراوح في مكانه ..
وهكذا ندرك بأن عتبة هذا النص ليست مجرد إشارة مرورية لصدر القصيدة..
أو كوة ينفذ منها القارئ إلى المتن ..ثم يتجاوزها مباشرة إلى ما بعدها .. بل هي لافتة تنبيهية يستطيع المتلقي من خلالها أن يبني ويؤثث المتن
الذي قد يستقيم مسبقا قبل أن يسرده الشاعر متكئا على ما تعجّ به بحار عتابه الصاخبة بين الحنايا بقوله مخاطبا تلك الشخصية الأنثوية
التي لم يحدد ملامحها مسبقا قائلا :..
ستنسين المساءات التي أحيت حكايانا
وتنسين الذي كان
ليغدو القلب بركانا
سوف تنسين الأماسي التي أحيت حكاياتنا معا ،وتنسين كل شيء كان بيننا
ليتحول القلب من مستودع الحكايات ..ومعطر المجالس بأفراحه إلى بركان
فكيف يتحول القلب الرقيق إلى بركان ؟
إنه الوجع عندما يحاوط صاحبه ليحيل كل شيء صوب عينيه إلى سواد مطبق
يجعله يرى السماء برحابتها راجمة بحجارة العسر المتصلبة ذلك العسر الذي ألبسته إياه ثوبا لحظاتُ الندم والحسرة ..
تلك اللحظات التي تجلّت مستقيمة تهش عنه غمائم النسيان ..وبالتالي فهو يؤكد بكلمة تنسين بأنه لم ينس ..ولن ينسى..
وهذا ديدن الشعراء الذين تثقلهم الذكريات بحلوها ومرها لتبقى مستقيمة أمام ناظريهم..غائرة كسهم بين ضلوعهم ..متوهجة كنار لا تريد أن تنطفئ
وترجمني سماواتي
بسجيل من العسر
لأني من أضاع العمر في قبو
من الحيرة
ودهليز من الغيرة
وحوط ريش طائره بأطواق من النار
وأرسى الحرف في أفق الملامات
وبعدما ينهي الشاعر عتابه يعود إلى نفسه حتى يوسعها جلدا ليخبر المتلقي صراحة بأنه قد أضاع عمره سدًى داخل قبو من الحيرة ..
تلك الحيرة التي سببتها الغيرة ..هذه الأخيرة التي كانت بدورها سببا رئيسا في تمرد تلك الأنثى التي شبهها تشبيها صريحا بالطائر..
وشبه نفسه ضمنيا بالقناص الذي حاوط ريشها بالنار إلى أن أحرقه وجعلها تنفلت من بين يديه حلما ظل يؤرقه ويؤجج نيران الندم بين أضالعه ..
بعدما أغلق بيده أبواب الكلام ..ليسود ذلك الصمت المطبق بين الأليفين بمجرد أن صار الحرف لا يعرف غير آفاق اللوم والعتاب ..
وهي دلالة على تصاعد الحوار الذي تمخّض عنه ذلك الجفاء ..ثم البعاد
أي أن ذلك الحرف الشفيف الذي كان رسول الوصال بينهما ، وكان الأداة التي جمعتهما تحت أفانين السعادة والحبور .
قد تحول إلى عتاب متواصل جعلهما معا يفضلان الصمت على حوار متصاعد لا فائدة ترجى منه
ومن هنا ندرك أنه في باطن كل منا لوحة مشرقة يحاول ان يمرر عليها ريشته عله يسقطها بوهاد الذاكرة لتجرفها جداول النسيان
غير أن الأمر في هذا النص مختلف تماما ..لأن طلب النسيان هنا ما هو إلا دعوة ضمنية للتذكر.

يعود الشاعر إلى التحدث عن حاله ..وما آل إليه بعدما تمزقت حبال الوصل ومضى كل واحد منهما إلى سبيله قائلا في لوحته الثانية
دمي صوتي
وهذا طائر الغابة
يبادل ريشه الذهبي تحت رماد أوكار
يزوغ بنظرة حرّى لمن أسرى
إنه يصف ذاك الحطام المتمثل في دمه وصوته اللذين تفاعل معهما طائر الغابة
وهو يبادل ريشه الذهبي تحت ما تبقى من رماد تلك الأوكار متفاعلا مع نجوى الشاعر وشكواه
أي أن الطائر هنا وقف هو الآخر وراح ينبش ذلك الرماد بحثا عن تلك التي كانت هنا ذات وصال ..مما جعل ريشه الذهبي يكتسب لون السواد حزنا ..وأسًى
ومن هنا ندرك أن تلك الأوكار كانت توقد نارا معينة ..قد تكون نار القرى ..أو قد تكون نار السعادة التي خمدت وصارت رمادا تأثر له طائر الغابة وهو يطارد
بنظراته الحرّى ذلك الذي أسرى ليلا مقتفيا آثارا لا وجود لها..
أي أن الشاعر هنا يصور لنا حالة من التجاوب الوجداني بينه وبين الطائر تلك الحالة التي كان متأكدا سلفا من تجاوب
المتلقي لها ..وتفاعله معها ليعيشها معه بأحاسيسه ومشاعره وهو يتتبع أبياته المتوهجة بيتا ..بيتا
يسابق صبر سنبلة بمضمار
ويودع عتم أغنية بقيثار
يراهن عقرب الزمن
بدهر غير مؤتمن
نجوم الصبح دامية
شواظ أرق الأجفان
أدمى لذة الوسن
وأوتار بدائية
تسير ريحها عصفا
لتعزف لحن أقداري
بحنجرة هجائية
وهاهو يسهب متحدثا عن حالته التي تأثر لها الطائر قائلا
بأنه يسابق صبر سنبلة ظلت مستقيمة تترقب السقى مثله أي أنه يستجدي منها صبرا يراه مستحيلا
ومما لا شك فيه أن تلك السنبلة كانت موضع اهتمام أليفته الراحلة فربما كانت تساقيها وتراعيها كما كانت ترعى قلب الشاعر

ويودع عتم أغنية بقيثار
نلاحظ بهذا البيت أن القيثار ينوبه من الوجع جانبٌ ليضع الشاعر بين أوتاره أغنية معتمة ..يظل يرددها في خلوته مراهنا عقرب الزمن الذي أسرع الدوران
وجعله ينتظره متأملا ..لعله يعود به إلى الوراء ..إلى لحظة الصفاء التي انسفحت من بين أصابعه
ولكن على ماذا سيراهن وهو يدرك سلفا بأن الزمن صار غير مؤتمن ..؟؟
وقد تغيرت ملامح نجوم الصبح من لونها المتلألئ المنير إلى لون الدماء
بعدما صارت ترميه بحممها التي أرّقت أجفانه ..
وهي كناية على التسهد الذي تمكن منه وأثقل كاهله وعبث بلذة الوسن التي صارت بعيدة المنال
وكيف له أن يستسيغ الحياة وهو يرى الصبح بتلك البشاعة ..وقد تحول أمام ناظريه إلى أوتار بدائية
وأوتار بدائية
تسير ريحها عصفا
لتعزف لحن أقداري بحنجرة هجائية
أكيد لن يغفل خيال المتلقي عن شكل الوتر البدائي الذي كان يُصدرألحانا تمجها الأسماع لعدم انسيابيتها بسلاسة ..
وبالتالي فإن الشاعر يواصل وصفه لحالته المزرية التي صارت أسواطها تجلده ..وهو يشكل ملامح قصيدته مشهدا ..فآخر
فها هو وجه الصبح الذي من المفروض أن يكون متبسما ضحوكا قد تحول إلى شواظ من الجمر من جهة..
ومن جهة أخرى تبدّى أمام ناظريه على شكل أوتار بدائية تنفخ ريحها العاصفة لتعزف لحن أقداره بحنجرة هجائية ..
وهي قمة تصوير مشهد الوجع الذي جسده وشخّصه على شكل وتر مزعج يعزف لحن أقداره وتصاحبه حنجرة الهجاء ..
وكلنا يعرف ما هية صوت الهجاء الذي يكون متعاليا دائما ..متبجحا غير مراعٍ لمشاعر الآخرين
هسيس الماء يرقبني..
ويسألني
غصين البان من هذا
ضفافي أصبحت أبهى
وأشجاري به ولهى
يعطر غسله داري
ويعود الشاعر إلى الطبيعة يحدثها .. يخاطبها .. يناجيها.. يأخذ منها ويعطيها وهو يقلب صفحات الماضي عندما كانت أليفته تلك في بدايات
حياتها كغصين البان ..ليسأله خرير الماء هامسا عندما كان دفوقا بين يديه يسقي به غصنه الذي جمّل ضفافه لتصير أبهى عندما أشجاره تشهق توَلُّهًا به ..
و ربما تكون ( تلك الأشجار) قد ناصبته العداء( أي أضمرت حقدا لغصين البان) وهي ترى الشاعر يهتم به أكثر بعدما صار يراه عطر الدار
التي لم تكن خاوية بل كانت ملأى بغيره ..غير أنه وحده من أخذ بتلابيب الشاعر ، وملك عليه نفسه.. وبعدما كبر واشتد عودا امتطى صهوة الهجر وترك
كل شيء يترقبه منتظرا .. بما في ذلك صوت الماء الذي ظل يتساءل عنه سؤالا لا يقل عما يضج به صدر الشاعر..
من الآلام خارطة على وجهي
ودمع غافل الأبواب والحارس
بصمت فر من جدران أجفاني
يعود الشاعر إلى الحالة الذاتية التي آل إليها بعد الهجر الذي كان يصر على نسيانه.. وعبثا كان يحاول
ويبدأ بالوصف الخارجي الذي زرعته تلك الأشجان على محياه ،وقد استرقت منه إشراقته وهي ترسم على وجهه خارطة من الآلام ..
يرافقها دمع مدرار قد غافل كل الأبواب..
فالشاعر يخبرنا ضمنيا بأنه كان يوصد على نفسه كل الأبواب ظنا منه بأنه قد نأى عن يدي الحزن والأسى ،غير أن الدمع قد انتهك حرمة أسواره
المنيعة ــ التي ظل يشيدها مكابرا ــ لينفلت مدرار من بين جدران الجفون التي كان يزمّها في صمت
ويواصل حديثه إفصاحا لا ترميزا ..وما حاجته للرمز في مقام كهذا الذي تصطلي فيه الروح على جمر الفراق
ليروي خدي العاري
عصافير بلا مأوى
يناجي عريها الشجرة
وقد قطعت من الجذر
بفأس قاده غصن بعجرفة( فأس كلمة مؤنثة)
فامسى خائنا نكرة
يستمر الشاعر في ذكر أشجانه متحدثا عن ذلك الدمع الذي ظل ينهمر كغيث مطير يروي خدا عاريا كان يرقب عصافيرا وحيدة ظلت ..
بلا مأوى بعدما رحلت تلك الأليفة التي كانت موضوع الشكوى والعتاب ..فربما قد تكون امرأة تركت خلفها صغارا يحنّون إلى كنفها وهم
عراة.. وقد شبههم الشاعر بالعصافير الصغيرة حينما تفقد شجرةً كانت هي المأوى بين الحر ..والقر
وقد اجتُثت من الجذور بفأس قادها غصن متعجرف
والصورة هنا شديدة القسوة لأن تلك الفأس التي قطعت الشجرة قادها غصنٌ من صلبها (من صلب الشجرة ) أي أن هناك خيانة
عظمى كانت متربصة بتلك الشخصية الأنثوية التي شبهها الشاعر بالشجرة
غير أن ذلك الغصن الذي قاد الفأس وقطع الشجرة لم ينل الحظوة التي ربما كان ينتظرها بعد فعلته تلك ..بل صار نكرة موسوما بالخيانة
التي ــ دون شك ــ لن تفارقه حتى الأبد
ويعود الشاعر إلى مخاطبتها في المقطعين الأخيرين بعدما تيقن من هجرها ..وبعادها
دعي لي حين تطويني المسافات
ثماري من جنى القلق
نلاحظ أن الشاعر قد أحسن استثمار العناصر الجمالية متكئا على ما يقضّ مضجعه ويؤرق جفونه مؤكدا بأن المسافات سوف تطويه
بعد ذلك الهجر ليختار الترحال مستجديا ذلك النسيان الذي أكد في العنوان بأنه يعيش بين مخالبه ..وها هو يخاطبها قائلا
عندما تطويني مسافات الترحال دعي لي ما تدلى بين أغصان قلقي من ثمار فهو يشبه القلق ضمنيا بالأغصان التي سوف تتدلى منها ثمار أكيد سوف تكون أشد وطأً من القلق ..
ولوحات انتظاراتي
وأنغام ابتهالاتي
يرى" Marcel prous " بأن الأسلوب بالنسبة للكاتب تماما كاللون بالنسبة للرسام وأنه مسألة رؤية أي خيال "..
وبالتالي فالأسلوب هنا عند الشاعر ناظم الصرخي يعتمد على التشكيل حتى كأن المتلقي يشعر وكأنه يرى صورا مرسومة تتسلسل تباعا لتكمل
الواحدةُ منها الأخرى ..فها هو يجتر لوحات انتظاراته تلك التي اختزلت مشاهد عدة لا تريد أن تفارق خياله .. ليستحضرها وهو يقف على ربوة الوداع الأخير
طالبا من تلك المرأة أن تترك له تلك اللوحات كأنيس ـــ لقابل أيام الوحدة ـــ تصحبها أنغام ابتهالاته عندما كان يبتهل إليه تعالى داعيا إياه ألا يطيل ذلك الفراق
وقنديلا يشاركني دجى الأرق
وحزنا رافق العمر
كظل لم يشأ يرحل
ترامى ينشب الأظفار في حدقات أسفاري
وعتم بؤبؤ الشفق
مازال الشاعر يسرد عليها طلباته الأخيرة المتمثلة في رجاء لا يزال ينتظر من ورائه أملا رآه ضئلا وهو يقول
لا تطفئي كل قناديلي ..بل دعي لي قنديلا واحدا يحمل معي أثقال دجاي ..ويشركني كأس التسهد ...
دعي لي حزنا رافق العمر.. وهو تصريحٌ منه بأن عمره كله قد انقضى بين فكي الأشجان لتبقى (تلك الأشجان)
كظل يلازمه ولا يرضى عنه بديلا ..متراميا بين خطاه ..ناشبا أظفاره في حدقات أسفاره .. تلك الأسفار التي اختارها راضيا حتى ينسى ..
ولكنه للأسف الشديد لم يستطع ..لأن الذكرى هنا حاضرة ٌ بين كل خطوة وأخرى ..وهو يستجدي أليفته طالبا منها ألا تقطع آخر خيط من خيوط الأمل ..

ونلاحظ هنا جمالية الصور البلاغية المتمثلة في تجسيد الظل الذي جعل له أظفارا..إضافة إلى الانزياح الدلالي لكلمة الحدقات ..
التي استعملها الشاعر في غير موضعها مشخصا الأسفار بعدما رسمها على هيأة شخص له حدقات ...
كما استعار كلمة بؤبؤ من العين لينسبها إلى الشفق في سبيل الاستعارة المكنية ...

دعي لي مفردات العشق في تابوت أيامي
ويختم مقطعه الأخير بما ظل يرجوه منها ..وهو يخبرها به ضمنيا ..فحالته بعدها صارت أكبر من أن تحاوطها لغته الشفيفة ..
ليبدأ في سرد ما آل إليه حاله وكأنه تيقن من عدم عودة أيام الوصال ..واستصعب النسيان متأكدا من كونه سوف يظل على أطلالها واقفا منتظرا ..
محدثا طيفها الذي يأبى فراقه مستكملا نجواه
دعي لي مفردات العشق ..تلك المفردات التي كان يسمعها منها ..وهو يطلب منها أن تتركها له في تابوت أيامه ..
وبذلك فهو يخبرها ضمنيا بأنه قد صار جسدا بلا روح وهو يرى نفسه قد انتهى لتتحول أيامه بدونها إلى تابوت وهي كناية على ضيق العيش بعدها
وحرفا بات مصلوبا على بابك
ورغم القطيعة .. ورغم قسوة تلك الأليفة إلا أنه لا يزال مصرا على عدم التجرد من تلك الحروف التي كان يبعث بها إليها وكانت تصدها لتبقى مصلوبة على بابها ..
وهاهو يرفض أن يتخلى عنها ..لتبقى رفيقة دربه ..وفاءً
وأشعاري التي صلت في محرابك
ويعود من جديد ليصرّح بتلك الأشعار التي وقعها لها وحدها ..وما زال يصر على الاحتفاظ بها ..ويطلب منها ألا تحرمه إياها لأنه ما زال يحن إلى أيام مضت
وبقي أريجها يعطر حاضره المفرغ من تفاصيل أليفته
فإني تهت في نفقي
وذرعا ضقت من نزقي
دعي لي بحرك المجنون
قد أنساك بالغرق
وتأتي الخاتمة صادمة نوعا ما باعتراف الشاعر بأنه تاه في نفقه ..فأي نفق هذا الذي قيده أخيرا ..؟؟
وهذا دليل قاطع على قمة توتر الأحاسيس..مع شدة القلق
وهو يصرح بنزقه الذي ضاق به ذرعا بعدما اتبع مشاعر ربما قد تكون كاذبة أو هي من جهته فحسب..
وبالتالي فهو يطلب منها أن تترك له بحرها المجنون ..مصرحا بجنونها الذي يتمنى أن يغرق بين أمواجه لعله يصحو يوما ويجد نفسه قد شفي منها بالنسيان

مجمل القول نلاحظ أن لغة القصيدة جاءت منضدة بأحاسيس وجدانية
معتمدة على اللفظ المباشر ذي الدلالة الصادقة من حيث المشاعر والأحاسيس التي تبوح بمكنون صاحبها ..وتعبر عما يختلج بين حناياه ليُخرج تلك
الآه الكامنة بصدره وهو متيقن بأن المتلقي سوف يحملها معه أو يعيش تفاصيلها حرفا ..حرفا ..ونزفا نزفا
لم تخل القصيدة من بعض الانزياحات الدلالية والصور البلاغية التي تناثرت هادئة بين الأبيات التي هذبها الشاعر ببحر الوافر أحد أجمل بحور الشعر..
كانت الصور تتسلسل طيعة غير مصطنعة وكأنها زبدة لمخيض الوجع الذي شكلها على مقاس معين ليستسيغها القارئ وهو يتتبع أبياتها بهدوء و..
كأنه ينتظر مع الشاعر بصيصا من النور
ومن البيت الأول تستوقفنا الموسيقى بتأثيرها الفعال في بلورة الحس الجمالي لهذا النص معتمدة على تلك الأصوات اللغوية المتناغمة لتُخرج
ما اكتنف الحالة الشعورية المكتنزة على وتيرة واحدة لم ينطفئ أوارها من أول حرف إلى آخر كلمة
وهذا بطبيعة الحال لا يكون إلا بالإيقاع الداخلي والخارجي الذي تؤسسه الحروف والكلمات وتشيده الدلالات والإيحاءات

طيب الله أيامك شاعرنا الكريم
ولك مني مفردات التقدير والثناء ..






  رد مع اقتباس
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قراءة نقدية في قصيدة "عنترة يعيد الشرعية" للشاعر "شاكر القزويني" فاكية صباحي قراءات ,إضاءات,ودراسات نقدية 4 04-13-2017 09:42 AM
قراءة في تعليق الشاعر ناظم الصرخي على قصيدة ( شيزوفرينيا ) الوليد دويكات قراءات ,إضاءات,ودراسات نقدية 16 01-22-2017 02:43 AM
قراءة في نص" مجرد بوح" للشاعر الجزائري كمال ابو سلمى/ جوتيار تمر جوتيار تمر قراءات ,إضاءات,ودراسات نقدية 10 07-04-2013 12:35 PM
ترف الاغتراب ومأساته .. قراءة عامة في "حداء الزمان الأخير" للشاعر محمد شلبي فريد البيدق قراءات ,إضاءات,ودراسات نقدية 2 09-10-2011 06:23 PM
قراءة في مجموعة " أربعون قصيدة عن الحرف " للشاعر اديب كمال الدين صباح الزبيدي قراءات ,إضاءات,ودراسات نقدية 2 06-29-2010 09:33 AM


الساعة الآن 12:16 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.9 Beta 3
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.
:: توب لاين لخدمات المواقع ::