في هدأة الليل وسكونه ، وصمته وهمسه ، الطبيعة نائمة على ذراع الظلام ، لم تسمع تغريد طائر ، ولا شدو بلبل ، ولا نوح حمامة ، ولا صهيل جواد أصيل ، الكل في سبات عميق ، إلا من أَرَّقَ أَجْفَانَهُ السُّهد ؛ من عاشق ، أو جائع ، أو متألم مهموم ، أو من هدير شلال تدفق سيله في ليل داج ، ولحن ساقية عند منعطف الوادي ، ونقيق الضفادع عند الغدير الراكد ، وصوت السيارات لتوصيل مريض ، أو إسعاف جريح،أو صديق عزيز يسمر مع خليلله يبثه أحلامه وأشجانه؛ وإذ بباب منزلي صوت صديق صدوق ، جاءني لأحمل معه ما ناء بحمله-من هَمٍّ كدَّر عليهعيشه فينهارهوليله- وأواسيه، ولميستطع الانتظار حتى الصباح ، فأدخلته في قلبي قبل بيتي ، واعتذر عن زيارتي في هذا الوقت المتأخر من الليل ، وطفق يبثني أحزانه وأشجانه ، فقال وكلي آذان لما يقول ، وأسهب في قوله ، وكأنه كان من قبلُ عييًّا ، فانطلق لسانه لتملي عليه همومه وأحزانه : في يوم مكفهر طرق باب فؤادي زائر يود القرب مني ، بعد أن خَبرني وعَجَمَ([1]) أَصْلِي وفَصْلِي وسيرتي من معارفهوأصحابه ، وتكبد مشاق سفر طويل بعيد ، ويحدوه أمل مديد ، في تأسيس بيت جديد - لفلذة كبده - يكون الجمع به سعيدًا إن شاء الله القوي المجيد ، لكنِّي وَجِلٌ وخائف من المستقبل المجهول ، فيا صاحبي أرجوك أن تسعفني بنصيحة تكون دواء لجراحي التي لم تندمل بعد ، فوعدته خيرًا وواسيته حتى زالت غُصَّتُه ، وهدأت نفسه وسكنت آلامه ، ثم خرج مودِّعًا شاكرًا لما قدَّمْتُ له من نصح واهتمام ، وذهبت لأنام ؛ فامتنعت عيني من ا لغمض ، فقمت إلى مكتبي كعادتي عندما تتوقد أفكاري وتجيش عاطفتي أهدئها بالكتابة ، فأردت أن أمتطي صهوة أفكاري لأعبر عما اعتراني من ألم ، فجمحت بي بعيدًا ولم تثبت على حال ، فنزعت آمالي وآلامي من غرز ركابي ، ونزلت إلى واقع حالي ، فتلمست يراعي الذي به أصف مشاعري ، وأداوي هُمومي ، فَحَرَنَ([2]) ولم يخط خطوة ، ولم يَبِضَّ([3]) مِدَادُه بقطرةواحدة، وكأنه قدجفمداده من أمد بعيد،وما كان من عادته؛ فهو سهل قياده بعدما أتلمسه وأسوسه ، إما يكون شذا عطر من روضة غناء ، أو شوك علقم في أرض جرداء .
أما هنا فواساني ورأف بحالي وأخرجني عما أريد ، وسار بي في طريق للآباء والأبناء مفيد ، لوصف واقع أليم مرير يعيشه كثير من الناس المهاجرين من غير إرادة أو قصد ، عندما ينضج لديهم الأبناء ويريد كل واحد أن يتزوج ، فتكون أعظم المصائب لمن لديه إناث وذكور ...
فيا أيهاالآباءوالأمهات ؛ دوركم كبير وعصيب في اختيار صاحب الخلق والدين ولا يغرنكم صاحب الدين بغير خلق ، وما أكثرهم في هذا الزمان .
الخُلُقُ مرآة الدين لصاحبه ، فلا دين لمن لا خلق له ، وإن صلى وصام ، وقعد وقام ، وإياكم أن تتعبوا أنفسكم ، وتقيدوا أعناقكم وأرجلكم من أجل الناس .
كم من بيوت فسدت ، وأبناء شُرِّدَت ، ونِساء طُلِّقَت ، وأبكار عنست من أجل الناس،لا نسألعن أخلاقالرجل وطباعه بقدر ما نسأل عن المهر والجِهَازِ وحفلة العرس ، والمكانة الاجتماعية ، ورأس المال ، كل ذلك ليراه الناس .
إلى متى أيها الأحباب لا نعيش لأنفسنا ، وكلُّ همِّنا مرضاة الناس والخشية من الناس ، المرأة إذا خرجت من بيتها تزَينت ولبست أجمل الثياب ليراها الناس ، والموائد تُرَتَّبُ وتوضع عليها أجود الأطعمة فقط للناس ، والأولاد جياع !! والرجل يتصنع ويتلمع لا لأهله ، بل للناس ، ألا يوجد بطل يتحرر من هذا القيد ليكون قدوة للآخرين ! البيوت تبنى على الحب النقيّ الطاهر الذي لا شبهة فيه ولا رياء ، ولا نفاق ولا دخن ، حب صادق ، وإيثار وتضحية ، وشعور متبادل ، وإحساس بمشاعر الزوج لزوجه .
وحذار أيتها الفتيات من الحب الذي يقود إلى الرذيلة ، وجلب العار والدمار للأهل والديار والعشيرة … والحب أضعف مخلوق وأقواه ، هو الثوب الجميل الذي تحمله الفتاة ، حتى إذا ما رأت فتى أحلامها فتخلعه عليه فتراه به أجمل الناس ، وتحسب أنه هو الذي ترى صورته في أحلامها ، ومن بين سجف الأماني والآمال التي تتخيلها دون النظر إلى المسؤولية المُناطة بفتى الأحلام ؛ من أعباء الحياة وصروف الدهر أهو أهل وكفء أم لا ؟
الحب عالم من الأحاسيس ودنيا من العواطف فيها كل غريب وعجيب ، كم من محب يسامر نجوم الليل يتململ على فراش السُّهد لم تكتحل عيناه بنوم من لواعج الشوق إلى محبو بته ، والخوف منها والطمع فيها ، يذَكِّرُه بها حديث الساقية للخمائل ، ووميض الزهر في الروض، ولفتة الساقية عند الرابية ، والشلال الهادر في الليل الداجي . ولكن هل يكتفي الجائعَ أن يرى الطعام ويشتم رائحته الشهية ، فينظم في وصفه الأشعار دون أن يسد جوعته ؟ لا يا أحبائي ؛ لو تزوج قيس منليلاه لمانظم بيتًا من الشعر ، ولما انهالت عليه القوافي تحدو شجونه ، بعد أن ملأ الدنيا قصائد تناقلها الركبان في البوادي والوديان وفي كل زمان ومكان ، تسيل رِقَّةً وعذوبة ، وتفيض وَجْدًا وشوقًا ، مبينا أنه لا يريد من ليلاه إلا لذة النظر ومتعة الحديث ، فإذا بلغها لم يجدها شيئًا وطلب ما وراءهما ، ثم أراد الزواج ، فإذا تزوج لم يجد فيه ما كان يتصور من النعيم ، فذابت أحلام الخيال والأوهام تحت شمس الواقع كما يذوب ثلج الشتاء تحت شمس الربيع .
تلك الحياة ؛ تارة صافية ، وتارة يشوبها كدر أو بلاء ، وامتحان يعقبه رسوب أو نجاح ، وأنت تريدها صفوًا وقد جُبِلَتْ على كدر ، كطالب الماء من جذوة النار !
لذا معاشر الآباء والأبناء ؛ يجب الاختيار مع الاختبار ، قبل أن تكشف الأستار وتفضح الأسرار ، ويكون الهم والبؤس في الليل والنهار .
الخلق الحسن هو الروض الذي يستظل بأشجاره ويتغذى بثماره ويتعطر بشذا أزهاره ، الخلُق نبل وجود ، وكرم ومروءة ، وتضحية وإيثار، وهو أصل منأصول ا لدين؛ فمنلاخلق لهلا دين صدقعنده، وصدق رسولاللهﷺ عندما قال:((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))
فيا أيها الشباب والشابات ؛ سددوا وقاربوا ، لا تكونوا أنجمًا في أعالي السماء تريدون قمرًا يضيء في عالم الأرض ، ولا تكوني حورية من الحور العين لا تُهدى إلا لمن دخل الجنة ، بل كلٌّ يبحث عن نفسه من أصل معدنه وبيئته وجودته حتى يتم الوفاق ، ويولد الحب ، فينبت الزرع ويزهوالزهر وينضج الثمر، ويحلو السمر، فيظل الأسر، لنكون خير البشر ، كما قال ربُّنا : ﴿ كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ صدق الله العظيم .
يوسف الحسن
* * *
([1]) جَرَّب .
([2]) أردته أن يكتب فوقف .
([3]) البض : السَّيَلانُ القليل .
التوقيع
الحب في الله جوهر لا مثيل له
به يتجلى االسمو و النبل والشرف
والحب مدرسة لكل حر
وعاطفة صادقة لا ريب فيها ولا صلف
يوسف الحسن
آخر تعديل عواطف عبداللطيف يوم 07-16-2011 في 12:55 PM.
الأستاذ يوسف الحسن
إنها درر وحكم صيغت بأسلوب رقيق دقيق مشوق للقراءة لكل من أراد النصح من الآباء أو الأبناء.
أسلوب جديد لم نألفه منك!!
ولكنه يضيف رصيداً جديداً لعشاق حرفك المتنوع .
سمحت لنفسي أن اقتطف من حديقة مررت بها هذه النصيحة لأنهي بها ردي .
(( تلك الحياة ؛ تارة صافية ، وتارة يشوبها كدر أو بلاء ، وامتحان يعقبه رسوب أو نجاح ، وأنت تريدها صفوًا وقد جُبِلَتْ على كدر ، كطالب الماء من جذوة النار ! ))
بارك الله بك .. ورعاك
مع خالص الشكر وفائق الاحترام
هيام
التوقيع
وما من كــاتب إلا سيفنى … ويبقي الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شي... يسرك في القيامة أن تراه
الأستاذ يوسف الحسن
إنها درر وحكم صيغت بأسلوب رقيق دقيق مشوق للقراءة لكل من أراد النصح من الآباء أو الأبناء.
أسلوب جديد لم نألفه منك!!
ولكنه يضيف رصيداً جديداً لعشاق حرفك المتنوع .
سمحت لنفسي أن اقتطف من حديقة مررت بها هذه النصيحة لأنهي بها ردي .
(( تلك الحياة ؛ تارة صافية ، وتارة يشوبها كدر أو بلاء ، وامتحان يعقبه رسوب أو نجاح ، وأنت تريدها صفوًا وقد جُبِلَتْ على كدر ، كطالب الماء من جذوة النار ! ))
بارك الله بك .. ورعاك
مع خالص الشكر وفائق الاحترام
هيام
البوح سيدتي ..
كان دموع الروح التي تبلل شراشف الفجر عند انبثاقه من كوة القدر..
كتبت احرفي بسواد شعر الليل ليكون أكثر عمقا على غرة النجوم ..
اجد بين الأحرف تموجات ضوء من قلب حنون ..
يكتب الرد باسلوب رقيق فيه صدق عاطفة ومودة..
كتبت احرفي بسواد شعر الليل ليكون أكثر عمقا على غرة النجوم ..
أستاذي يوسف الحسن
أسعدت مساءً ..
وهل نرى النجوم تتلألأ ويزيد بريقها إلا بعتمة الليل ؟
لو كان بيدي لكتبتها نصيحة بماء الذهب.
انتهزها مناسبة لتهنئتك بالعام الهجري الجديد
أعاده الله عليك وعلى الأمة الإسلامية وهي رافعة أكاليل الغار والنصر .
هيام
التوقيع
وما من كــاتب إلا سيفنى … ويبقي الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شي... يسرك في القيامة أن تراه