قصة قصيرة للأطفال
يوسف وثياب الحفلة .
بغمرة من الفرح والسعادة , كانت الأسرة تستعد للتحضيرات من أجل الحفلة التي ستقام بمناسبة ‘ زفاف العم الأصغر ليوسفَ .
فالحفلة ستقام في صالة كبيرة تضم الأهل والأقارب والأصحاب وفيما كان الجميع منهمكا في التحضيرات التي تسبق مثل هذه الحفلات
سأل والد يوسف زوجته : ماذا سترتدي الفتاتان والصبي ؟
أريدهم أن يظهروا أمام الناس بأجمل المظاهر وأحلى ملابس ‘فأنت تعلمين أن هناك معازيم وأقارب وأصدقاء كثر وسيتم تصوير (الفيديو ) والصور العادية ‘
وستبقى هذه ذكرى مدى الحياة.
قالت الأم : إذن خذهم إلى السوق ‘ لتشتري لهم ملابس جديدة فما عندهم من الملابس قد ضاق على مقاساتهم وأصبح قديما بعض الشيء.
الأب : حسنا إستعدوا لنذهب جميعنا إلى السوق ولكن بسرعة ودون هدر الوقت.
الأم : دقائق وسأكون ألبست الفتيات ويوسف وجهزتُ نفسي ونذهب .
وقبل أن تنهي الأم حوارها كان الجميع إنطلق لتجهيز أنفسهم.
و لم تمضِ دقائق قليلة حتى كان الجميع يستعدون للخروج بإتجاه السوق الكبير في وسط المدينة الصغيرة الذي يبعد عن منزلهم مئآت الأمتار فقط.
كان يوسف ممسكا بيد والده والفتاتان والأم يسرن خلفهما ‘ وما أن دخلوا متجر العم أبي مصطفى حتى تهلل وجهه وبدأ بعبارات الترحيب والتأهيل
وهو يدعوهم بالدخول إلى متجره الكبير الذي يضم عدة أقسام ‘ قسمّت فيما بينها بغرف خشبية فاخرة الصنع لقياس الملابس وفواصل من حاملات الثياب المصففة بشكل طولي بين كل قسم و آخر.
ولحسن حظ أسرة أبو يوسف لم يكن هناك أي مناسبة من أعياد وما شابه ذلك مما جعل أبو مصطفى صاحب المتجر يرافقهم شخصيا لقسم ثياب الأطفال .
حيث إنقسم المجموع إلى فريقين الأم والبنتان وإحدى العاملات فريق ‘ ويوسف وأبيه وصاحب المتجر فريقا آخر وبعبارات أبو مصطفى التي لاتنتهي وكلماته التي لا تنضب بدأ يقترح على يوسف أنواع وأشكال الملابس مشيرا إلى مكان كبير‘ موجها الخطاب ليوسف : أنظر بني كل هذه المقاسات تناسب مقاسك فهي مصممة لعمر الثانية عشرة عاما .
وبدأ بفتح الأكياس المختمة بشكل مرتب ومنظم وكلما فتح كيس من الأكياس توجه إلى يوسف قائلا :مارأيك بهذا (عمو )؟
وقبل أن يسمع الإجابة من يوسف كان يتوجه ليفتح كيسا آخر موجها نفس السؤآل وبنفس الكلمات ونبرة الصوت في كل مرة.
ويوسف المسكين يلتفت يمينا وشمالا وينظر لوجه أبيه في كل مرة يتعرض فيها لسؤال ذاك الذي لا يكف عن الأسئلة.
وبين الحيرة والتساؤلات التي بدأت تنهال على ذهنه كان كلما رأى لونا من الألون يتذكر مَنْ مِنْ أقربائه يحب هذا اللون ‘ فكان اللون الأزرق من الألوان المفضلة عند والده ‘وكان والده إذا ما ابتاع له لباسا غالبا ما يكون أزرقا أو يتداخل فيه اللون الأزرق مع بعض الألوان .
مما جعل يوسف يحدق بكل ماهو أزرق اللون من الملابس التي يعرضها البائع أمامه ‘ولكنه سرعان ما يغير رأيه ويتأمل اللون البني الداكن الذي كان يعجب والدته كثيرا حيث كانت من بيئة تعتبر الألوان الفاتحة والمزركشة فيها قلة هيبة وحياء .
وهاهو يتوقف مطولا عند اللون الأخضر الفاتح المائل للصفرة ( العفني ) فهذا اللون من أحب الألوان على قلب مدرسته المفضلة التي تدرسهم مادة اللغة الإنكليزية والتي كان يوسف يحبها كثيرا .
وبسرعة مرّ أمام عينيه الحائرتين بذة ٌ ذات لون أبيض مشرب بالخمري وكان هذا اللون هو الأقرب على قلب عمه عريس اليوم .
ولكنه أخيرا قرر إنتقاء اللون الأسود فهذا اللون كانت ترتديه دائما زوجة صديق والده اللتي كلما أتت لزيارتهم تصطحب معها هدية له وتمازحه كثيرا وتسأله عن أحوال الدراسة واللعب وما شابه ذلك .
ولأن يوسف كان طيب القلب وكان يريد أن يرضي الجميع ولكنه يحتار في أمره ‘ ويزداد إرتباكا وترددا لم يفكر قط بأن يختار اللون الأزرق الفاتح ( السماوي ) علما أنه كان من أحب الألوان إلى قلبه ويجد نفسه سعيدا كلما لبس لباسا بهذا اللون .
وفيما هو ما يزال بحيرته وصمته بالرغم من تشجيع الأب له والعم أبو مصطفى البائع بكلماتهم التي تزيده ترددا وحيرة ‘
فلقد حسم أمره مع نداء والدته الذي ينبئ بإنتهاء مهمتها هي والفتيات‘ وأنهنّ أصبحنّ جاهزات للعودة إلى المنزل . وقرر أن يختار كل قطعة من لون من الألوان التي يحبونها أولئك الأشخاص المقربين إليه . وبعد كل ماتلقاه من نصائح من والده ووالدته وأخواته والعم أبو مصطفى البائع . فلقد اختار بنطالا باللون الأسود والحزام باللون البني الداكن والقميص باللون الأزرق والأبيض والخمري والسترة باللون البني الداكن . ونظرا لضيق الوقت ونزولا عند رغبة يوسف وافقه الجميع على ما اختاره من ألوان وعادوا للمنزل مسرورين والحماس يملأ قلوبهم ما عدا يوسف الذي سار بخطى وئيدة خلفهم وهو متعكر المزاج...
ووسط صخب الوسيقا والأهازيج والدبكات والرقصات المتتالية ‘كان يوسف منزويا في إحد الأماكن البعيدة عن الأضواء بعد أن تلقى عشرات الأسئلة وكان بعضها ساخرا ومن نفس الأشخاص الذين حاول إرضائهم وغيرهم من الموجودين في صالة الإحتفال عن ثيابه الجديدة‘ وعشرات الأفكار تدور في ذهنه ...
محاولا ردع دمعه من النزول وإزالة الغصّة التي تحرق حلقه كان يتخذ قرارا حاسما :
أنه لن يفعل إلا مايقتنع به هو بالنسبة لرغباته وإحتياجاته الشخصية .. فله وحده أن يتخذ القرار بها مع الأخذ بالآراء الصحيحة التي يثق بها و التي تتوافق مع قناعاته ومبادئه.....
عبد الكريم سمعون
لبنان \\5\7\2009